البحث في الموقع

قبيلة الزرقيون "ازركيين"

تعتبر قبيلة ازركيين إحدى أكبر قبائل تكنة أيت الجمل،اشتهرت بالديانة المتينة، والنجدة، وكرم الضيافة، والعصامية، وحفظ القرآن، حيث أنجبت علماء أجلاء برزوا في علوم الشريعة، وحمل مشعل السنة في الصحراء»(1). وحسب المصادر التاريخية أن أصولها ترجع إلى المعقل المنتسبين إلى جعفر بن أبي طالب، وهو ما عبر عنه عبد العزيز بنعبد الله بقوله: «ومن المعاقلة تكنة، ومنهم الزرقيون»(2). وما أشار إليه الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين في كتابه قبائل الصحراء المغربية ذاكرا أنه وجد في مخطوط أعده السيد بشر بن أحمد بن حيدار فرقة شتوكة إحدى أهم جذوع قبيلة المجاهدين في سبيل الله، وتحصيل العلم، وإكرام الضيف، والقوة في سبيل الدفاع عن الحق والخضوع للعدل واحترام أهله، وهم الزرقيون، بأنهم جعفريون(3)، ثم رجح هذا النسب بقوله: «ونحن نرجح ذلك انطلاقا من المخالطة والمجاورة، ففيهم من الكرم والشجاعة، والسلاقة، وحب آل البيت ما يزكي نسبتهم لآل البيت»(4).

ثم إن السيد بشر المذكور ضمن مؤلفه سلسلة نسب الجد الذي أطلق اسمه على قبيلة الزرقيين فقال: «وهذه سلسلة نسب أَزَرْكْ المغفري الحساني المعقلي: أزرك ابن بلة بن الغازي بن كزيل بن بلة بن محمد بن داود بن محمد بن عثمان بن مغفر بن ودي بن حسان بن المختار بن محمد بن عقيل بن معقل بن موسى الهداج ابن جعفر الأمير بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبد الله بحر الجود بن جعفر الطيار بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف بن قصي بم كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن عامر بن إلياس بن ضر بن نزار بن معد بن عدنان»(5).

هذا ويثبت رواة سلسلة أنساب تكنة أن الزرقيين، وآيت موسى، وآيت حسين إخوة.

وبخصوص تسمية القبيلة بـ«إزركيين» يقول مصطفى ناعمي: «إذا كان المعنى الراجح لهذا الاسم هو لون الزرقة، فهل معنى هذا أن تاريخ هذه القبيلة التكنية يرتبط أساسا بالمد الأعرابي على المنطقة منذ سبعة قرون؟ الواقع أن العصر العربي الوسيط لم يكتشف اسم هذا اللون إلا بصورة جد متأخرة. كما أن الاستعمال الأروبي للكلمة لم يتخذ مساره العادي إلا منذ نهاية القرن الثامن عشر، ‏لقد قامت هذه الحضارات على مختلف مشاربها بتحميل اللون الأزرق من القيم السلبية ما ‏جعل تجنبه يتم بشكل محكم. فنجد اللهجة الحسانية مثلا تعوضه باللون الأخضر مضيفة بذلك إلى الإشكال الذي تصادفه التسمية»(6).

وذكر عبد العزيز بنعبد الله: «أن الزرقيين قبيلة بوادي درعة لعلها من بقايا هزرجة، وهي قبيلة مصمودة اسمها البربري حسب كتاب الأنساب هو ايليزركن القريب من الزرقيين»(7).

ومما قيل في قبيلة تيزركين للبونعماني:

 

يا خليلي هذي تزركين فهي           مشتهى للذي يريد المقيلا

حي فيها ماء نميرًا ونخلاً             خضلاً ناعمًا وظلاً طليلاً(8)

 

والقبيلة منذ التحاقها بلف أيت الجمل استطاعت أن تسلك في العيش الترحالي بصورة نهائية. حيث اختطت لنفسها مجالا استراتيجيا عبر الساحل الأطلسي ابتداء من وادي درعة إلى ما وراء بئر تكنة جنوب الساقية الحمراء، وتتجاوز المنطقة في فترات الجفاف إلى التوغل في أراضي شنقيط الموريتانية، هذا ما يؤكده وجودها بآوريورة منذ بداية القرن الثامن عشر(9)، ولا أدل على مقدرة اتحادية تكنة في مراقبة هذه المناطق حتى منتصف القرن الماضي منذ استعمال إزركيين الفلاحي لكل من زيني، وايدار، والكعدة، والمريكلي، بعد أهم التساقطات الموسمية، فمن حيث هي كقبيلة تكنية ساحلية، استطاعت هذه القبيلة التوفيق بين الطابع الترحالي والزراعة الموسمية. لقد كان اقتصادها يقوم بالإضافة إلى منتجات الحرث الرسمي، على تربية الجمال والغنم والمعز، هذا علاوة على أهمية حجم المنتجات التي يوفرها محميو القبيلة(10).

لقد جاءت العوامل الطبيعية والسياسية سببا هيكليا جعل إزركيين ومحمييهم يعيشون في إطار من الخصوصيات.

وأما بالنسبة للخطوط العريضة التي جعلت القبيلة متماسكة حتى منتصف هذا القرن، راجع لكون اشتوكة تعتبر أهم فصيلة حجما ووزنا سياسيا حيث تتكون من: لكوانه، وأهل احماد أسعيد، حاميبي، أهل الكندوز، تأتي بعد ذلك فصيلة لكراج، وفصيلة أيت سعيد. ويعد أهل حمو أسعيد ـ قائد السلطان إسماعيل العلوي ـ من بين تجزءات هذه الفصيلة التي تعتبرها الرواية الشفوية أحق الفصائل بالانتماء إلى تكنة، وعلى حدة العوامل الطبيعية الفاصلة بين اشتوكة ولكراج وأيت سعيد، فإن تماسكها البنيوي يتجلى خلافا لما تروجه المونوغرافيات العسكرية الفرنسية في شبكة علاقاتها الحمائية مع فصائل قبيلة مجاط المحلية. فنجد أهل لخديم يرتبطون بتحركات ‏اشتوكة. بينما يتبع لبيوض تجزئات لكراج وأهل علي أسالم تجزئات أيت سعيد. هذه التحالفات تشكل شبكة يصل تعداد خيماتها 1200‏، ينضاف إليها سكان عبودة من أيت حسين (200 ‏عائلة)، والزناقات (60‏عائلة)، والفيكات (صيادون 50 ‏خيمة)، ولميار (70 خيمة)، وتوبالت (30 خيمة)، ونرى بذلك كيف تتجسد أهمية شبكة الحماية ‏الإزركية شمال وجنوب وادي درعة كقاسم مشترك بين ‏تجزئاتها الثلاث. علاوة على ذلك فإن اشتوكة التي تعد أكبر تجزئة في القبيلة، تتصدر شؤون التسيير من خلال أهل سيدي يوسف الذين يترأسهم إبراهيم ولد سيدي يوسف خلال الثلاثينات من هذا القرن. أما أهل يحيى من فصيلة أيت سعيد فيتزعمها رمضان ولد علوات، ويتزعم لعروسي ولد سليمان أهل بوجمعة ولد الجيلالي (أهل العياشي) من فصيلة لكراح. ويتسم الوجه الآخر لهذا التلاحم في هيأة أيت أربعين أنفلوس الذي يربط بين مجمل الفصائل، يعفي هذا المجلس الأعلى لفيكات، ولميار، ونوبالت، خلافا لباقي المحميين من المشاركة في الملاحم العسكرية. وهي مهمة تستلزم وحدة التقارب البنيوي بين أعضاء المجلس والتحامه التام في أساليب التعامل مع الغير. ولا شك أن صلاحية تعيين وتحديد مأمورية قاضي القبيلة من بين القوانين الأساسية التي تتخذ وفقا لمنطق سلطة المجلس الأعلى(11).

هكذا ندرك كيف يتم التوفيق بين الفصائل الثلاثة ومشاركة كل واحدة منها في الترابط الوظيفي المنسق لمسار القبيلة.

إن سيطرة التقاليد والمعايير الاجتماعية تتطلب إعطاء الأولوية في العلائق والفعاليات الاجتماعية لتلبية الحوافز الطبيعية واتباع الاحتياجات الحياتية. فقد فرض السياق السوسيومجالي على قبائل ازرقيين حمل السلاح لحماية مواردها وتحصين مجالها بالموزاة مع الرعي واحتراف بعض الأنشطة الإنتاجية مثل التجارة(12).

ولعل من أبرز صفات هذه الفعاليات هو موقف القبيلة من الوجود الإسباني على امتداد الساقية الحمراء وشمال وادي درعة منذ الفصل الأخير من القرن الماضي. حيث جسدت مصالح قبائل المحور الساحلي لتكنة مخطط التعامل التجاري مع المسيحيين، فلم تدخل حماية القبيلة لصالح الشركة الجغرافية التجارية الإسبانية بين وادي درعة ورأس بوجادور ابتداء من 1886م‏، إلا في إطار التعامل المرحلي. ولقد استطاع Don Alvarez Perez مبعوث الشركة انتزاع حماية إزركيين وأيت موسى أوعلي لمشروعه. وهذه الحماية لا ­تعني أكثر من سذاجة الرؤيا القبلية الداعية إلى تحقيق أكبر الأرباح عبر مبدأ سياسي لا يتجاوز فكرة المبادلات التجارية المرحلية. على أن الإسبان لم يلبثوا أن استعملوا محميي القبيلة برأس جوبي «طرفاية» من أجل توفير ما يكفي من الأرباح لأداء الضرائب المفروضة من طرف شيوخ إ‏زركيين. وقد زاد من التحام هؤلاء بالوجود الإسباني تحصيلهم على الأسلحة، والمساندة ضد محاولات لف أيت عثمان العدائية، على أن هذا التحالف لم يكن يعني السماح للإسبان بالاستقرار داخل التراب، كما يثبت ذلك انعدام التسربات العسكرية بعيدا عن الثكنات الشاطئية.

‏وهو أيضا ما تثبته ردود فعل الشيوخ المحليين حتى الثلاثينات من هذا القرن. ومما لا يدع مزيدا للشك حول رؤية القبيلة التحررية أن مجنديها في إطار ما سمي بالكوم لم تكن مهمتهم تتجاوز متابعة قبيلة أيت أسا حتى الثلاثينات؛ قصد تصفية محاولاتها ضد المحور الساحلي ومستقطبيه من المسيحيين. لقد كانت أجرة إبراهيم ولد ‏سيدي صالح رئيس كوم إزركيين تصل إلى 450 بسيطة ‏سنة 1928. في حين كانت أجرة خطاري تتجاوز 300‏بسيطة شأنه في ذلك شأن صالح ولد بيروك من أيت موسى أوعلي. ولعل في هذا من الإشارات ما يكفي لتوضيح الغاية السياسية من جلب وإغراء أبناء القبائل المحلية(13).

 

 

إعداد: حسناء بوتوادي



 

 (1)الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية معلمة الصحراء ملحق 1، عبد العزيز بنعبد الله (ص197ـ198).

 (2)الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية معلمة الصحراء ملحق 1 (ص197ـ198).

 (3)كتاب قبائل الصحراء المغربية أصولها ـ جهادها ـ ثقافتها، حمداتي شبيهنا ماء العينين، المطبعة الملكية، الرباط، 1419هـ/1998م،  (ص103).

 (4)المرجع نفسه (ص103).

 (5)المرجع نفسه (ص104ـ105).

 (6)مصطفى ناعمي، (مادة إزركيين)، معلمة المغرب، من إنتاج الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنش، نشر مطابع سلا 1410هـ/1989م، (1/339).

 (7)الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية معلمة الصحراء ملحق 1 (ص114)، والموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية معلمة المدن والقبائل ملحق 2 (ص213).

 (8)المعسول، المختار السوسي (16/349ـ368).

 (9)دراسة في التاريخ الاجتماعي للصحراء الأطلسية ما بين القرنين 17 و20 (ص81).

 (10) مصطفى ناعمي، مادة ازركيين)، معلمة المغرب (1/339).

 (11)La Chapelle, 87-88 .

 (12)دراسة في التاريخ الاجتماعي للصحراء الأطلسية ما بين القرنين 17 و20 (ص81).

 (13)مصطفى ناعمي، (مادة إزركيين)، معلمة المغرب (1/339ـ340).