البحث في الموقع

قراءة في كتاب: أولياء وصلحاء الصحراء للدكتور إدريس نقوري

قراءة في كتاب:

أولياء وصلحاء الصحراء للدكتور إدريس نقوري

 

 

1-لمحة عامة حول الكتاب

صدر للباحث الناقد الدكتور إدريس نقوري ضمن منشورات مؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، كتاب جديد تحت عنوان: أولياء وصلحاء الصحراء، تاريخ النشر أكتوبر 2018.

والإصدار من الحجم المتوسط، يقع في أربعمائة صفحة، رُتِّب –فضلا عن مقدمة وخاتمة الكتاب- وفق مدخل عام (72 صفحة)، وثلاثة أقسام كبرى، يقع الأول في 104 صفحة، والثاني في 62 صفحة، والثالث في 125 صفحة، وضمن هذه الأقسام أبوابٌ عديدة، ذيل الكاتب كل باب منها بهوامشه على حدة.

والكِتاب من حيث مضمونه على شقّين بارزين؛ شق نظري ومفاهيمي يَستغرق كُلاًّ من المدخل العام (الأولياء والصالحون)، والقسم الأول (جدلية الفكر والهوية في الصحراء المغربية)، ثم شق تعريفي بالصلحاء والأولياء في المجال الصحراوي موزع على القسم الثاني (الأولياء والصالحون في وادنون)، والثالث (أولياء وصلحاء الصحراء).

وقد حاول د نقوري في تناول قضية الأولياء والصلحاء في الصحراء، أن يقرب القراء والباحثين من خصوصية البحث في موضوع الولاية والصلاح عبر توطئة مفاهيمية ومعرفية متنوعة، تلامس أبعاد الموضوع المطروح، ثم تقريبهم أيضا من خصوصية المجال الصحراوي قيد الدراسة، باستدعاء قائمة من صلحاء الصحراء وأخبارهم.

 

2- أسباب التأليف والسياق المعرفي للموضوع

ويفصح المؤلف منذ البداية عن دوافع البحث في الموضوع و"خصوصيته" و"طرافته" و"فوائد البحث فيه"، إنه حسب الكاتب "موضوع مبارك وانشغال طيب يبعث على التأمل العميق والتدبر المتأني في مخلوقات الله وملكوته من خلال ربط الصلة بخالق الكون والتقرب اليه بالتفكر والعلم والطاعة. والتفكر في خلق الله والكون فريضة إسلامية ودعوة ربانية"[1]، وهو أيضا: "الاهتمام الفكري والعلمي الذي يجعل الباحث يسمو فوق الماديات ويحلق في آفاق المعرفة والابتكار والانجاز الفوري والمباشر بما يرى ويسمع ويقرأ عن الرجال الذين اصطفاهم الخالق سبحانه وهيأهم لأعمال يعدها الناس من قبيل الخوارق أو اللامعقول"[2].

إن المؤلف إذن، يفصح عن موقفه من الموضوع والأسباب الدافعة إلى تناوله من هذه الناحية: "لهذا نقول: إن الحديث عن الأولياء والصالحين حديث عن أهل الله وخاصته من المومنين الصادقين والمتقين المخلصين العارفين بالله من أهل العفة والاستقامة والصلاح"[3].

وسمة البحث كما يبرزها د نقوري كونه " يبعث على الطمأنينة ويملأ القلب حبا لأولياء الله وعباده الصالحين، فضلا عن أنه يحض على الاقتداء بهم والتأسي بأفعالهم وسلوكهم"[4].

ويقدم المؤلف في المدخل العام مقاربةً للسياق المعرفي الذي ينبغي استحضاره أثناء الكتابة في موضوع الصلحاء والأولياء، مبرزا الإشكالات الفكرية التي تعترض الباحث وتحول دون ضبط مجال الموضوع: "إن الفضاء الذي يتحرك فيه أولياء الله الصالحون وأحباؤه المخلصون فضاء مفعم بعطر المحبة الإلهية والصفاء الرباني مترع بضروب النعم والخيرات والبركات. إنه فضاء كله طهر ونقاء ووجد ولقاء بين عباد الله الصادقين وبين رب العزة"[5].

ولما كان الموضوع ذا طبيعة أخلاقية وسياقه ذا بعد روحي فإن الكاتب عمد إلى رصد مجموعة من العقبات التي ينبغي للباحثين تجاوزها، للخلوص إلى نتائج سليمة تتساوق مع هذه الطبيعة الأخلاقية والروحية، من تلك العقبات[6]

             1-الإساءة والإضرار بتوظيف التأويل السيء والإيغال في التصور والتحليل.

            2-ضعف التمييز بين الأولياء والصالحين وغيرهم من المدعين والمشعوذين.

            3-اشتراك الناس في صفة البشرية القائمة على المماثلة، مما يحجب عن فهم الخصوصيات الروحية والأخلاقية للولي.

           4-القصور المعرفي لمفهوم الولاية إفراطا أو تفريطا، إما بفعل حجاب المعاصرة، أو الاغترار بإقبال الدنيا على الأولياء ومخالطتهم للملوك، أو بوقوع الزلات من الولي.

فهذه حسب المؤلف بعض العقبات التي تحجب الآخر عن فهم قضية الولاية فهْماً ينبني على الرؤية الإسلامية، هذه الرؤية التي صرح الكاتب أنه ينطلق منها في كتابه[7].

 

3- موضوعات الكتاب

من حيث موضوعات المدخل العام، استغرق تعريف الولاية والولي ثمانية عشر صفحة، بينما جاءت الموضوعات المتبقية كالإشارات التي رأى الكاتب الحاجة إليها قبل الخوض في لبّ الكتاب، ويبدو أيضا من خلالها السّعيُ إلى ملامسة زوايا عدة متشعبة من الموضوع دون الاهتمام كثيرا بإبراز قول فصل في قضاياها الشائكة، وهذه الموضوعات هي تباعا:

الماء من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، الولاية بين أهل السنة والجماعة وبين المتصوفة، كرامات الأولياء، حول ختم الأولياء، التوسل بالأولياء، نظرة تاريخية حول الكرامات وما في حكمها، علاقة الولاية بالمقدس، الأولياء والصالحون في عصرنا، البيولوجيا ومصير الإنسان، أولياء وصلحاء المغرب، خصائص التصوف المغربي، عن الرجال والرجولة.

وأما القسم الأول المخصص لجدلية الفكر والهوية في الصحراء المغربية (من 101 إلى207) ففيه خمسة أبواب.

استهل الباب الأول بالكلام عن التعريف وإشكالاته، ثم امتد الحديث إلى جملة مفاهيم ومجالات أخرى يستدعيها تناول الموضوع كالهوية والفكر، الصحراء، الطبيعة، الأنواع الطبيعية، العوالم الممكنة، وعلم الأسماء والحروف، مما يمهد للقارئ الفضاء الفكري الذي يحوم حوله الكتاب، ويقدم فكرة عن المجالات التي يلامسها بشكل مباشر أو غير مباشر موضوع الولاية والصلاح في المغرب.

وجاء الباب الثاني الصحراء أنتروبولوجيا/ من منظور إناسي، بدءا بالتحولات المناخية والاجتماعية للصحراء، مرورا بعلم الذكاء الاصطناعي الذي يبرز تطور السلوك الإنساني فوق الكرة الأرضية، وانتهاء بفكر الصحراء وعلاقته بالعناصر الأربعة؛ الماء والنار والهواء والتراب باعتبارها رموزا انتروبولوجية.

أما الباب الثالث فجاء تحت عنوان: التجربة الصوفية وأسرارها، والباب الرابع حول التصوف والسياسة أية علاقة، ثم الباب الخامس في الرحلة إلى الصحراء الواقع والمثال، قراءة أنتروبولوجية، تناول في شق منه الهجرة وفوائدها قبل أن يمثل لنماذج من الأولياء وهجراتهم، كرحلة الفقيه الفاسي الادريسي، رحلة الشيخ العروسي، رحلة الشيخ أحمد بوغنبور، أحمد الرقيبي، الشيخ ماء العينين ليقدم بعد ذلك قراءة أنتروبولوجية للهجرة، وقراءة أخرى في نسق الارتقاء.

واستعرض د نقوري في القسم الثاني (من 207 إلى 270) حياة زمرة من الأولياء والصالحين في واد نون، مقدما لهم بتمهيد سريع عن جهود المؤرخ المختار السوسي في التعريف بأولياء الصحراء من خلال معسوله، قبل الأبواب الستة التي تناول فيها بالترتيب الأعلام الصلاحية الآتية: محمد بن عمرو اللمطي، الشريف العلوي مولاي العربي، يعزى وهدى، عامر الهامل أبو السباع، سعيد بوعيطة جد أولاد بوعيطة، وأخيرا سيدي الفضيل.

وبنفس الوثيرة جاء القسم الثالث الممتد (من ص: 271 إلى ص: 393) في مقدمة وثمانية أبواب، اختص كل باب في التعريف بولي من أولياء الصحراء، وهم: الشيخ أحمد الركيبي، شيوخ آل البصير كيسوم وأبناؤه، الشيخ أحمد العروسي، الشيخ مولاي بوعزة، الشيخ أحمد بوغنبور، أولياء وصلحاء كنته (الشيخ محمد الكنتي- الشيخ أحمد البكاي)، الشيخ سيدي وسيدي، الشيخ ماء العينين. ومن اللافت أن المؤلف اقتصر في كتابه على الرموز الكبرى للولاية والصلاح في الصحراء، ولم يكن هدفه استقصاء ما تزخر به الصحراء من هؤلاء الأعلام، ولذلك مبرراته الموضوعية لعل أبرزها شساعة مساحة الموضوع وكثرة النماذج الصلاحية بالمنطقة.

إن كتاب أولياء وصلحاء بما هو فكرة، لجديرة بالتثوير وزيادة التطوير من جهة التعريف بأعلام الولاية والصلحاء عبر ربوع الصحراء الشاسعة حين أكد المؤلف بقوله: "إننا لم نأت طبعا على ذكر كل الأولياء والصالحاء في المنطقة فهم كثر والحمد لله وإنما وقفنا على مجموعة منهم ممن يشهد لهم التاريخ ومعاصروهم بالصلاح والفلاح والجهاد في سبيل الله"[8].

كما أنها دعوة ضمنية من الكاتب إلى الالتفات نحو الأدوار الراشدة لهؤلاء الرجال بعيدا عن تأويلات موغلة في التحليل المسيء لحقيقته سِيرهم، أو التي تتغيى تبخيس مكانتهم الدينية والعلمية والتاريخية والاجتماعية والجهادية.

حيث خلص بعد عرض فصول الكتاب إلى الاشادة بواحدة من أهم نتائجه قائلا: "من النتائج المستخلصة من تجارب هؤلاء الرجال حقا وحقيقة، وهي غنية ومتنوعة، نتيجة جديرة بالتدبر والتقدير، تتمثل في كون زمرة منهم استطاعت بعد جهاد ومثابرة وإصرار وضع لبنات أولى لمجموعاتبشرية تحولت مع مرور العقود والقرون إلى قبائل عمّرت الصحراء وأسعمت في بناء الحياة فيها وجعلتها تتبوأ المكانة اللائقة بها في إطار وحدة وطنية أهلت المغرب لمواجهة القوى الخارجية في القرن العشرين، وللوقوف أمام تيارات الهدم والتمزيق في سبعينيات القرن الماضي وبداية الحالي"[9].

 

 

 

[1]إدريس نقوري، أولياء وصلحاء الصحراء. ص: 12.

[2]المرجع نفسه، ص: 12.

[3]المرجع نفسه، ص 36.

[4]المرجع نفسه، ص: 13.

[5] المرجع نفسه ، ص:31.

[6]المرجع نفسه، ص: 32.

[7]المرجع نفسه، ص: 15.

[8]المرجع نفسه، ص: 398.

[9]المرجع نفسه، ص:399 .