البحث في الموقع

أنموذج من القانون التنظيمي للمدرسة العتيقة البعمرانية

 

"أنموذج من القانون التنظيمي للمدرسة العتيقة البعمرانية"

ذ.عبد الله بوشروض

يبتدئ النظام التعليمي العتيق بالمغرب قديما وحديثا، من الكتَّاب القرآني الذي يمثل المدرسة الابتدائية لحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ الدين، وتتسم الكتاتيب من حيث طبيعتها بكونها محلية خاصة بأبناء أهل الدوار الواحد المجاور للكتاب.

فبعد أن يستكمل التلميذ حفظه للقرآن الكريم وتحصيله لمبادئ الدين يلتحق بالمدرسة العتيقة التي تعنى بالمرحلة التعليمية التي تلي مرحلة الكتاب، وهي على خلافه لا تختص بالسكان المحليين، بل تفتح في وجه عامة المؤهلين الناجحين في الحفظ الأولي بالكتاب كالجامعة اليوم، يفد إليه خريجو الكتاتيب من مختلف المناطق ويستقرون بها طيلة مدة تحصيلهم، وتكون مزودة بجميع متطلبات طالب العلم من مأكل ومسكن، ويطلق على طلبتها في العرف السوسي "المْسَافْرْ"، أو "أَمْسَافْرِي"، مأخوذة من السفر لأن أغلب طلابها جاءوا مسافرين من مداشر بعيدة.    

يعرف فقهاء المدارس العتيقة والمحفظون المعلمون لكتاب الله بسوس عامة وأيت بعمران خاصة بالحرص الشديد على التعليم، والمبالغة في التشدد على التلميذ حتى يجَِدَّ في الأخذ، ويواظب على البرنامج المسطر للتعلم.

وقصد تحقيق ذلك، اتخذوا مجموعة من الأساليب الزجرية، التي ترهب التلميذ عن مخالفة النظام والتطاول عليه، منها الأسلوب العام في المحاضر والكتاتيب القرآنية والمدارس التعليمية الذي هو الضرب، لكن هذا الأسلوب يكون مجديا مع صغار السن، أما الطلبة الملتحقون بالمدارس الكبرى، بعد أن استكملوا الحفظ الأولي بالكتاب أو المحضرة، لا يكون ذلك مجديا مع جميعهم، لذلك تم وضع زواجر أخرى تناسب أعمارهم ودرجتهم العلمية بالإضافة إلى الضرب، منها : الغرامة، والحبس، والطرد.

لما كنت في زيارة الخزانة المخطوطة السيد جهاد بريك بدوار تبلكوكت جماعة مير اللفت إقليم سيدي إفني، وجدت بين أوراق منثورة هنالك ورقة مخطوطة صغيرة الحجم (هي المرفقة بهذا المقال)، يرجع تاريخها إلى سنة 1364هجرية، الموافق لسنة 1945ميلاد، تلك أيام الاستعمار الاسباني بالجنوب المغربي، كتب تلك الورقة بخط يده عم صاحب الخزانة، الفقيه القاضي محند بن الشيخ همو الخلفي الباعمراني المتوفى سنة، لما تولى مهمة التدريس والتعليم بمدرسة سيدي حساين بجاعة تيوغزة- خميس أيت بعمران، نصها:

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد

هذا قانون مدرسة الخميس للقارئين في المدرسة، ليكون مصلحة ويقينا في الدين، ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : الصلاة هي عمود الدين، فمن أقامها أقام الدين كله، ومن تركها فقد ترك الدين كله.

وإن من ترك الصلاة الواحدة من الصلوات الخمس، يعطي بْسِطَ، ومن ترك الحزب يعطي   بْسِطَ، ومن سرق وظهرت فيه، أخرجت منه كرها ويضرب ويحبس عند المخزن، ويُخَنَّشُ بعد ذلك.

ومن ترك نوبة ماء الوضوء، فعليه ريال، وعلى هذا النمط.

قيّده كاتبه بتمام جمادى الآخرة، سنة 1364 هـ محمْد بن محمد بن الشيخ همو، فقيه المدرسة[..]

فممعن النظر في هذا القانون البسيط يجده مركزا على جوانب أربع هي:

أولا: التربية على أداء الفرائض الدينية، من خلال فرض الغرامة على المتخلف عن صلاة الفريضة مع الجماعة لغير عذر.

ثانيا: الحرص على مراجعة القرآن والتعبد به حتى لا يفلت من حافظه، من خلال فرض الغرامة على المتغيب عن الحزب الراتب الذي يقرأ يوميا بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب.

ثالثا: التربية على الأمانة وباقي الخصال الحميدة، من خلال تشديد العقوبة على من ظهرت منه السرقة لأمتعة إخوانه الطلبة أو أي شيء في المدرسة، بثلاث عقوبات : الضرب والحبس عند السلطة، ثم الطرد نهائيا من المدرسة.

رابعا :تكوين الطالب على خدمة الصالح العام، من خلال تكليف الطلبة بتسخين الماء لأجل التوضأ به، وذلك بتناوب بين جميع طلبة المدرسة، ومن ترك يوم نوبته فرضت عليه غرامة مقدارها ريال.

وهذه صورة تلك الورقة المخطوطة التي تمثل أنموذجا من القانون التنظيمي للتعليم بالمدارس العتيقة، بأيت بعمران.



 

photo_2018-05-31_12-34-26.jpg

 

 [1]- هذا لفظ عام على ألسنة الناس، وهو قريب من لفظ الحديث الذي أخرجه البيهقي " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا دِينَ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ "، شعب الايمان، كتاب الصلاة، 2550.

[2]- تنطق بـ: بسيطة، بسكون الباء وكسر السين وفتح الطاء، وهي الريال الاسباني، كان يتعامل به أيام الاستعمار في المستعمرات الاسبانية.

[3]- مأخوذ من "الخنشة"، وهي الكيس الكبير، تطلق في عرف الطلبة على محفظة الطالب المحتوية على ألبسته وكتبه وأمتعته، والمراد بقوله يخنش يحمل متاعه بمعنى يطرد من المدرسة لشنيع سلوكه.

- الريال المغربي في تلك الفترة.[4]