البحث في الموقع

قصبة الدورة

تعتبر قصبة قبيلة إزركيين التكنية من القصبات التاريخية الرئيسية والقديمة بمنطقة الساقية الحمراء، والتي عرفت أحداثا تاريخية مهمة خلال الفترة الممتدة من (1270هـ/1850م) إلى (1365هـ/1945م) تاريخ انهيارها بسبب الفيضانات الجارفة ـ هذا ما ذكره الباحث الإسباني طوماس كارسيا فيكويراس ـ(1)، وكذلك الطيار والباحث الفرنسي أنطوان سانت دي إيكزوبيريAntoine De Saint Exopery الذي زار المنطقة سنة 1921م.

فقد جاءت فكرة تشييدها في أواخر القرن الثالث عشر الهجري موافق النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي على أرض واحة الدورة ليس بمحض الصدفة بقدر ما هو ارتباط بعنصر الحرب، والسيطرة على نقاط المياه والمراعي الموجودة هناك، وتختلف الروايات والحكايات فيمن بنى هذه القصبة وتكلف بمصاريف بنائها، فمن الروايات من تنسب بناءها لأحمد ولد إبراهيم ولد أسويح، في حين يرجع السيد محمد أمبارك ولد أحمد العبد ولد أسباعي الزروالي أسعيدي الزركي بناءها إلى أنه: بعد ذهاب جماعة من قبيلة الزركيين برئاسة سيدي يوسف بن حمد بن أحمد إلى تندوف لإصلاح ذات البين بين قبيلة الركيبات وقبيلة تجكانت؛ وذلك حوالي سنة 1270هـ، فلما شاهدت الجماعة قلعة تجكانت في تيندوف أعجبتها واهتمت ببناء قلعة في أرضها، ووقع اختيارهم على دارة الدورة، فاختاروا هذه المكان وأبدعوا فيه بئرا غزير الماء؛ لأن ماءه لما بدا انفجرت منه عين ماء ساخن يخالطه الكبريت، لم يتغلبوا على سده إلا بأوعية الصوف مع جهد كبير، وحكاية حفر البئر شائعة ومضطردة، وأصبح هذا الحاسي معروفا بـ«حاسي الدورة»، ولما تقرر بناء القلعة تكلف بذلك بعض أعيان القبيلة، وهم: محمد ولد أحمد ولد البلال، وسليمان ولد بوجمعة ولد الجيلالي، وإبراهيم ولد أمبارك ولد الطالب، فذهبوا إلى مراكش وأخذوا ثلاثة بنائين بضمان حينما ينتهي عملهم يعودون بهم من حيث أخذوهم، وقدموا بهم إلى الدورة وضموا إليهم أربعة من عبيد القبيلة عبد لعبد السلام ولد أعل ولد مولود، وعبد لبرك ولد عبد القادر بن الزروالي، وعبد لامحمد صالح بن بوصولة بن لشكر، وعبد لعبد الله بن سيدي يوسف بن حمد، وضموا إلى هذه المجموعة صانعين تقليديين من صناع القبيلة، وهما: جد أهل حيدا وجد أهل أبياي، ولكل مجموعة من هؤلاء المجموعات الثلاث دور خاص بها، فالعبيد دورهم حفر الطين وعجينته ثم تقديمه للبنائين، ودور البنائين بناء الحائط بطريقة اللوح، ودور الصانعين التقليديين جمع العود وتحضيره، وأكثر ما يأتون به من البحر ينقلانه على الجمال، وبعدما تم بناء الدار أعادوا البنائين إلى مراكش، إلا أن واحدا من البنائين فضل العودة معهم، وعاد وقام في القبيلة حتى توفي، وبعد تمام بناء القلعة تكلف بها وبعمارتها أحمد ولد إبراهيم ولد أسويح، واهتم بالفلاحة حولها، حتى أصبحت بلدة عمار مقصودة ومورودة من جميع أنحاء الصحراء، وأصبح أكثر مقام آيت الأربعين عند هذه القاعة، وقال بعض الأدباء؛ ويعني بذلك ولد أسويح:

شوف هذا ولد المصمار

 

فالدور عدل مثبت

من صغر شايف لعمار

 

يزرع لحديد وينبت

 

وفي عام «أشويشية»؛ أي سنة 1900م، فاضت دارة الدورة وامتلأت من جراء الأمطار الغزيرة التي تساقطت عليها، فاجتمعت عندها القبيلة وكونت أيت أربعين استثنائية تتكون من مئة وعشرين فردا، 40 من فرع الكرح، و40 من فرع أيت سعيد، و40 من فرع اشتوكة، المقدمين هم ثلاثة على التوالي: أحمد ولد اعلي مولود، ورمضان ولد البشير ولد يحيى، والعروسي ولد الحسن ولد احسينه، ثم قاموا يتوزيع دارة الدورة وحرثها، واللجنة التي قامت بعملية التوزيع تتكون من السادة: أبهي ولد أمسيعيد، والعروسي ولد أعبيد ألل، وعالي ولد الجيلالي، وقسموها إلى ثلاثة أقسام، وصفة التقسيم ينصبون رجما من الحجارة في جانبها الشرقي، وآخر يقابله في الجانب الغربي ويصلون ما بين الرجمين بأثر الخيل، حيث يقف الفرسان الثلاثة عند الرجم وينطلقون منه إلى الرجم الذي يقابله متتابعين واحد على أثر الآخر مكونين بذلك خطا واضحا، فالقسم الجنوبي أضافوا إليه أكرارت الصوك، والقسم الأوسط أضافوا إليه أكرات المكمن، والقسم الشمالي أضافوا إليه أجحيية.

وبعد هذا أجروا القرعة فكان القسم الجنوبي من نصيب اشتوكة، والقسم الأوسط من نصيب أيت أسعيد، والقسم الشمالي من نصيب الكرح.

ولم يتكرر فيضان الدورة من ذلك التاريخ  إلا في يوم 15 نونبر 1944م، وكان هذا الفيضان سببا في تحطيم قلعة الدورة وذوبانها، حيث جرفتها المياه، لم يبق من أطلالها إلا زيزة من المدر، وقبل انهدام هذه القلعة بسنتين كانت تسكنها حامية عسكرية من الجيش «جيش لمي» الذي يتكون من قبيلة الزركيين لحماية المنطقة.

كل هذه الروايات تؤكد بناء قبيلة ازركيين لهذه القلعة الحربية، وتوفير الماء عندها، وهذا من أعظم متطلبات ذلك الوقت للأمن والاستقرار، وتؤكد كذلك أن السيد أحمد بن إبراهيم بن سعيد السويح الزركي له دور هام في بناء قلعة الزركيين في واحة الدورة، وأنه فاز بعمارتها بعد بنائها حتى أضيفت له.

وقد كتب عنها الرحالة المغامر أكري ماكينزي الإنجليزي في بعض الصحف الفرنسية سنة 1887م مقالا عن رحلته إلى الصحراء ذكر فيه «أنه لما اقترب من الدورة شاهد بنايات ذات أبراج مرتفعة على شكل القلاع الحربية، وقال إن التجمع العربي الوحيد الذي وجد في الصحراء وجده في قلعة الدورة».

كما أشار خوليو كارو باروخا في كتابه «دراسات حول الصحراء»(2)إلى بعض المعارك التي خاضتها قبيلة الزركيين عند قلعة الدورة من بينها معركة إزركيين، ومعركة الجيش بقيادة القائد دحمان بن بيروك، وذكر انتصار قبيلة الزركيين في هاتين المعركتين.

بل يذهب بنا الباحث البلجيكي الكولونيل لاهور سنة 1888م في كتاباته فيما يتعلق بهذه الحـاضرة «أن الدورة وسهلها الخصب هـي مفتاح التواصل بين الطرفاية والداخـل»(3).

مما يدل على أهمية الموقع الاستراتيجي التاريخي الذي حظي به هذا الموقع لدى باحثي القوى الاستعمارية الأوروبية.

وبعد ذوبان قلعة الدورة وانجرافها فكرت القبيلة في إعادة بنائها، وقرروا ذلك وقدروا تكاليفها، فكلفت الجماعة ثلاثة من أفرادها بالإشراف على سير عملية البناء، وهم: الأستاذ بشر أحمد حيدره، والقائد محمد نافع ولد محمد فاضل ولد البشير، ورئيس جماعة الدورة السيد مبارك ولد أحمد ولد محمد ولد اسويلم، بعدها أشرفت جماعة الدورة على اختيار الموقع، وبعدما حددت المساحة في ألف وست مئة متر مربع حيث كانت القلعة على شكل مربع طول ضلعه أربعين مترا، بدأوا العمل في البناء سنة 1425هـ، لكن لما بني السور الخارجي وكان بناءا متقنا جدا، وشرع في البناء الداخلي، تبين أن هذا المبلغ المقدر غير كاف لمثل هذا النوع من البناء والإتقان، وأن لابد من إعادة النظر فيه لإتمام بناء القلعة وهذا لابد له من دراسة علمية عميقة، فتكونت جماعة من شباب القبيلة ومثقفيها وتقنييها، ووضعوا تصميما للقلعة، وكونوا من بينهم لجنة تقنية لدراسة ما تتطلبه العملية من مواد البناء وغير ذلك، ولجنة تشرف على سير العملية، ووفرت القبيلة المبلغ اللازم وأكثر، ذلك كان عن طريق تبرعات رجالاتها الأثرياء جزاهم الله خيرا، بعد تمام بناء القلعة دشنت بحفل كبير ورائع حضرته جميع القبائل، وبهذه المناسبة قال الأديب أسْلَمَّا ولد محمد أمبارك ولد محمد العبد ولد أسباعي هذه القطعة من الشعر الحساني:

الزركَيينْ أَبْناتْ الدار

 

فالتاريخ اعْل عهْد أمتينْ

والتجْديدْ اليوْم أبلا عار

 

حاصَلْ فالدريْن الثنْتينْ

والزركَيين أفكل أنهارْ

 

معروف باصلاح الدرينْ

هذا بيه التاريخ أشهدْ

 

ما ينعد وعندُ مشهدْ

وأطوابعهم من ذاك أشدْ

 

للملوك العلويينْ

معرفين أنهار المقْصدْ

 

عند أمْنيْنْ أتْظل أدخانينْ

البرود أفصِيَّان المجدْ

 

ومعْرفين أمَّلِّ باطعينْ

لَعْدوهم حرْب ما تبردْ

 

من لكحال إلى السوادينْ

وأمْنيْنْ إكَلُّ فالعدد

 

ينْزاد بأحْمارْ العيْنينْ

وأتْجيهم لغْفار أمْن احمدْ

 

بن دمان وحُمات الدينْ

كيفْ اعل شنظورة فابلدْ

 

كان عنو مدافعينْ

وَحْد َمن ليدين أتْسندْ

 

للضعاف وترشد بلينْ

وُوَحْدَ شوْرْ الحَرْبْ أتْبندْ

 

فيها باس المشعوذينْ

وشكر الفين الحد افذا الكَدْ

 

أبعيد أمن إذمود أثنينْ

وهذا بيهْ الدورة تشهدْ

 

ويشْهدْ بيهْ أنْهارْ أزْريْكَينْ(4)

 

 

 

إعداد: حسناء بوتوادي



 (1)Tomas Garcia Figueras «Santa Gruz De Mar Pequena Ifni Sahara» Ediciones FE, 1951 Madrid.

 (2)Julio Caro Baroja « Estudios Saharionos » , Jucar universidad, Barcelona, 1955, p.365.

 (3)Lahure .A. « lettre Lahure .A. « lettre d’afrique, Maroc et sahara occidental » Oscar Camberty, Bruxelles. 1905. p.126.

 (4)تاريخ الصحراء الغربية وقبائلها العربية، لبشر بن أحمد حيدره، الطبعة الأولى 1436هـ/2015م، (ص80ـ84).