البحث في الموقع

ترجمة الشيخ سيدي ابراهيم بن مسعود

تقف هذه المقالة على ملامح من ترجمة أحد أعلام الصلاح والاستقامة والزهد، دفين قرية أمتضي بالجنوب المغربي الشيخ ابراهيم بن مسعود، وهي مختصرة من تقييد بعنوان "نيل المقصود في بعض أحوال الشيخ السيد الحاج ابراهيم بن مسعود"1. كتب سنة أحد عشر وأربعمائة وألف للهجرة (1411) لمحمد بن الحاج أحمد المجاطي بموضع بني الحاج عدّ . وقد حاولنا اختصار ما فيها من الافادات حول المترجم والتصرف فيها بيسير من التنظيم حفاظا على مادتها وتفاديا لتكرر المعاني، مع ذكر بعض ما أفادنا به ابنه السيد الفقيه الحاج عبد الرحمان بن ابراهيم الدريوش كتاريخ تاريخ ولادته ووفاته وغير ذلك،  ومما جاء في التقييد المذكور :

مولده ومُتَعلّمه :

هو الشيخ الرباني المبارك المشارك في علم الظاهر والباطن العابد الناسك الورع الزاهد العارف الشيخ سيدي ابراهيم بن مسعود التتلتي دفين قرية امتضي .

ولد الشيخ سنة 1878م وتلقى تعليمه الأولي بكتاب قريته تَليلِيتْ، ثم أخذ الطريقة الدرقاوية عن شيخه الرباني الشريف الولي العالم السيد إبراهيم بن صالح التزرولتي من أولاد القطب السيد أحمد بن موسى المدفون بانكران فيضة اد ككمار عن الشيخ السيد الحاج علي بن أحمد الالغي الدرقاوي عن الشيخ السيد سعيد بن همُّ المعدري فانتفع به شاربا من عين الحقيقة فنفع الله به أهل زمانه وصحبه الناس فانتفع به الخلق، قائما بتربية المريدين بقوله وفعله وبهمته العالية في دين الله وإرشاد العباد بكلامه وأخلاقه وحالة مرضية وبصيرة نورانية. وكان إذا تكلم انتقش كلامه في القلوب كالنقش في الحجر وكان لطيفا رفيقا بعباد الله، تساوى لديه الكبير والصغير والقوي والضعيف، شديد الإتباع للسنة النبوية في سائر أحواله حتى في لباسه وأكله وفي أنواع العبادات سالكا في ذلك مسلك كبار الصالحين كشيخه المذكور الشريف التزرولتي وقد ساقه الله تعالى رحمة من عنده إلى أهل امتضي يعلم لهم الدين ويحيي فيهم السنة و الشريعة الإسلامية.

أحواله  وأخلاقه :

أخذ الدين الإسلامي والسنة النبوية بكلتا يديه وأبغض البدع وأربابها وكان دأبه دائما الطاعة والخير والإرشاد الذي طُلب من الإنسان أن يشتغل به ليزود به روحه اذا ارتحل وينبه الإنسان عن الغفلة والمعصية.

وكان يحث المريدين وغيرهم من عباد الله أن يرجعوا عن الشهوات والمعاصي والذنوب والغفلات، وكان يقول: أزل عنك أيها المريد أدرانك أي أوساخك وذنوبك التي أوجبتك المعاصي والغفلات حتى تعود صافيا ولترفع وتنتقل لمقام النزاهة والطهارة والمعرفة وذلك مقام الملائكة وخواص بني آدم، وإنما يكون ذلك بالتعلق بالله تعالى والتخلق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا والتجرد عن العلائق والشواغل الحسية كلها والله ولي التوفيق، وأن يفتح بصيرته بالتذكر للعهد المأخوذ من يوم ألست بربكم أولا، والمأخوذ على لسان رسوله صلى عليه وسلم ثانيا، والتفكير فيما له وعليه ومن حكمة الله تعالى وصنعته وأحكامه وآياته، والتعقل لأحواله وأقواله وحضراته، وغير ذلك من جميع شؤونه داخلا وخارجا، وأن لا ينهمك في شهواته كالحمار، فإن الحمار لا همة له إلا في أكل الحشيش، ولا أرب له ولا مطلب إلا شهوات بدنه ولو كان الإنسان حمارا لم يكن عليه بأس فإن الحمار لم يلزم التكليفات ولا استودع الأمانات " انتهى كلامه.

وكان رضي الله عنه سالم القلب واسع الصدر  يحمل أذى المعرضين المجاهرين بالحلم و الصبر في غير دين الله فلا يلتفت إلى ما صدر منهم أيا كان، وذلك ليسير سيرة المستخلف بتصريف كل جارحة ظاهرة وباطنة فيما خلقت، مخالفا للنفس الأمارة بالسوء والهوى والشهوات والشيطان وان أحاطوا به من كل جانب رضي الله عنه. وكان إذا جلس مع العلماء الأجلاء كالفقير العلامة السيد أحمد بن محمد بن مبارك التجرمنتي و العلامة السيد عبد الله بن محمد الإلغي و العلامة السيد الحاج الطاهر الإلغي و كالفقيه العلامة شيخنا السيد أحمد بن محمد بن العربي الأدوزي وولده العلامة السيد الحاج الحسن طأطؤوا رؤوسهم أمامه رضي الله عنه من الهيبة والوقار والسكينة وأنوار الولاية مع أنه يريد أن يأخذ منهم المسائل الفقهية. وكان متبعا لشيخه في جميع ما أقره به حسا ومعنى حتى في هجرته من مسقط رأسه تاتلت إلى أمتضي محل إقامته حياة ومماتا. ومن شيمه رضي الله عنه كثرة التواضع في جميع أقواله وأفعاله والحلم والتسليم والسكوت حتى يظنه من لم يعرفه أنه أبكم.

وله مواعظ تخشع لها النفوس وتلين بها القلوب فضلا عن ارتفاع الهمة والقوة والفطنة وترك الراحات والشهوات والحزم على الطاعات ليلا ونهارا ولا يسوف الأمور لأن آفة العمل التسويف.

خدمته واجتهاده :

واعلم وفقنا الله جميعا أن هذا الشيخ أفاد المسلمين وأعلى من بر الدين وخدمة الإسلام وشد أزره وشمر عن ساعد الجد وأقبل على العبادة بهمة عالية وعزيمة صادقة وقلب دائم على الذكر  وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإحياء دائم لليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الخير والطاعات لايفتر ولا يسأم ولا يفعل حتى عد ما يقوم به من خوارق العادات التي يختص الله تعالى به عباده المقربين وأوليائه، ولم يصرفه ما هو فيه من عمل الأبرار وزيارة المحبين والحضور في مواسم الخير كموسم الفقراء للشيخ السيد الحاج علي وموسم السيد سعيد بن هم المعدري السهلي وموسم الشيخ السيد مولاي العربي وموسم الشيخ السيد مولاي أحمد بتلمة الناقة وزيارة شيخه السيد ابراهيم بن صالح في جل أوقاته وزيارة المحبين من الفقهاء و الطلبة أهل الفضل ومن جل محبيه أهل القرآن كسيد محمد بن ابراهيم الهماني وغيره بمجاطة وافران وامل واكرض وطاطا وأيت ويل وإشت وتمنيرت وأفا وبوزكارن واكلميم والأخصاص و سْموكَن وتَلَتْ نْترامْت وتزنيت وأكلوا وأداي وتِمولاي وانزكان وايت ملول واكادير والدار البيضاء و القنيطرة واشتوكة وإداوتنان وزاوية تزموت محل الفقراء وأحبته منها كالسيد الحاج ابراهيم بن علي والوالد الفقير الحاج أحمد والخال السيد الحاج أحمد بن محمد بن ابراهيم وذلك كله قصد الوعظ والتنبيه لا لغيره من أغراض الدنيا.

و كان محبا للسنة النبوية و الصلاة على النبي المختار. حج بيت الله الحرام وزار قبر النبي المختار عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرة على وجهه المبارك مستوفيا لقراءة أوراده صباحا ومساء وما اعتاده من الطاعات وأعمال البر .

من بعض ماقال الفقير الصادق محمد بن الحسين أهلا بامتض أنه كان في شغل بقطعته بساقيه امتض قبل حلول الإستعمار بيسير وجعل بندقيته أمامه عند شغله تم أتاه الشيخ السيد ابراهيم بن مسعود رضي الله عنه وحينئذ كان النزاع العظيم و العداوة القديمة بين أهل امتض اد عيسى واكلوى وكل واحد من الفريقين لا يستطيع مفارقة بندقيته فلما استقر الجلوس قال الشيخ يا محمد فقلت له نعم يا سيدي. فقال هل تستطيع أن تفعل قولا أقوله لك قلت نعم يا سيدي  كيف لي أن لا أفعل ما تقول، فقال إني أحب ان تبيع هذه  البندقية وتشتري بثمنها غنما فأجبت له بسرعة قائلا : أأبيع بندقيتي هذه ؟ فوالله يا سيدي لا أفارقها مادمت حيا فقال إنما أنا أحب لك ذلك إن ظهر لك، ولم يمض شهر أو شهران حتى دخل الإستعمار الفرنسي فأخذ عندنا البنادق كلها وتحيرت تحير الضب .

ومن مكارم أخلاقه رضي الله عنه الصبر على أذى الحساد مع زيارة الأحبة وأهل الله سواء من أهل هذه الطريقة أو غيرها وينشر معنى قول الشيخ ماء العينين في هذا المعنى حيث قال طرق أهل الله شيء واحد،  فلا يرى التفريق. وكان اذا جاء الشتاء يقوم إلى سطح الدار ليمنع بالبرد نومه فلا ينام، وإذا جاء الصيف قام تحت السقف رضي الله عنه ويحب المساجد فلم يصل إلا في المسجد وإن بعد.

سياحاته:

وكانت له سياحات وجولات في القبائل السوسية. والفضل في ذلك إرشاد الناس إلى دين الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وتأسيس الزوايا والمساجد لقراءة القرآن والأذكار والعبادات والصلاة على النبي المختار وكان رضي الله عنه سيدا مطاعا في زمانه، وأحب المساجد والطلبة والعلماء وأهل الخير والصلاح الفقراء والمساكين يحبهم ويحبونه، ونبذ الدنيا وأهلها وتبعته حيثما حل راغمة على أنفها.

وفاته أبناؤه :

توفي الشيخ سنة 1978م، فاستتم بذلك مائة سنة. وقد خلف بعده سلالة طيبة ظهر فضلها في حياته وبعد مماته وعلم في ذلك بفضل حسن هديه وتربيته فقد كان السيد الحاج محمد عالما زاهدا أدبيا جليل القدر وهو مقيم بمسجد اذ عيسى حتى توفاه الله، كما أن أخاه السيد الحاج احمد، صالح مصلح هاد، وهو الذي يلازم الشرط بمسجد تللت مسقط رأس والده. وأما أخوهم السيد الحاج عبد الرحمن فخلف أباه في رعاية الزاوية محل أبيه رضي الله عنه، وكما أن أخاهم السيد الحاج عبد الله بمسجد أكن مللن، كما أن أخاهم السيد الحاج الحسين تقي حليم وقد كان بمسجد الحلات بمجاطة ومسكنه تفلفال، ثم أخوهم الأصغر السيد الحسن الشاب التقي وكلهم رضي الله عنهم فضلاء علماء صلحاء سلكوا مسلك والدهم الذي رباهم كما شاء منهم بفضل الله لا تأخذهم في الله لومت لائم. وخلف رضي الله عنه بنتين إحداهما عند الفقير الصادق السيد الحاج عبد المجاطي بأنفك والأخرى عند الشريف السيد صالح أحمد بانكران بزاوية الشيخ السيد ابراهيم بن صالح

 

.

مشهد من قرية أمتضي حيث زاوية الشيخ

 

 

وديع أكونين باحث بمركز علم وعمران

 


1) وتوجد نسخة منه في المركز.

2) هو الشيخ ابراهيم بن صالح بن أحمد بن مبارك بن سعيد بن عبد الله بن احمد بن موسى التازرولتي، أخذ القرآن عن عبد الله بن عبد الوافي بالاخصاص، ثم تنقل في كثير من الدارس السوسية كالتازروالتية ومدرسة أدوز سنة 1287ه، فأخذ عن العلامة محمد بن العربي الأدوزي ولازمه إلى سنة 1297، ثم شارط  في تانكَرت وإداكوكَمار وتاغلولو، واتصل بالطريقة الدرقاوية من طريق الشيخ الالغي سنة 1304، فأسس الزوايا بعد أن كان يفض النوازل وكان لا يقول في نازلة حتى يراجعها في مظانها من كتب الفقه تورعا منه، وله شرح على البردة والهمزية والقصيدة الدالية الوفائية. اشتهر بالاصلاح بين المتخاصمين، وله أتباع كثيرون، توفي سنة 1353هـ.  (انظر ترجمته في المعسول 12/68 و من أفواه الرجال للمختار السوسي)