البحث في الموقع

القبيلة الصحراوية مكوناتها، مميزاتها، أساليب تدبير شؤونها

القبيلة مصطلح قديم، كلاسيكي، تداولته الألسن والأقلام عبر القرون وكرسته الكتب السماوية وتحول إلى مصطلح ذي إيحاءات دينية واضحة وإلى مفهوم سيسيولوجي جوهري وموضوع آتنربولوجي مركزي؛ وهو يتميز بالتجدد ومواكبة التطور، لأن من المصطلحات ما يعيش ويعتريه البلى ويموت، ومنها ما يستمر ويصمد في وجه الزمن، ومنه مصطلح القبيلة؛ فهو مرن وقادر على التكيف مع مجريات الحياة ولا أدل على ذلك من الاستعمالات الكثيرة التي تعاورته ولم تنل من جدته وصلابته؛  فما إن يخفت صوته لفترة حتى تعود إليه نضارته ويتجدد شبابه ويشرع الناس في تداوله ومقاربته بأدوات وآليات مختلفة؛ وهذا ما فعله الباحثون من مؤرخين وعلماء اجتماع وساسة وانتروبولوجيين في العصور الوسطى والحديثة؛ وقد جاءت مقارباتهم في سياقات وظروف مختلفة فرضت العودة إلى مصطلح القبيلة، والاستعانة به لبحث وتحليل تاريخ الشعوب والقبائل العربية والإفريقية، ومنها قبائل المغرب(1).

تعد القبيلة تنظيما سياسيا واجتماعيا ورابطة دموية ـ تحالفية، ووحدة شعورية ولا شعورية ميزت العديد من المجتمعات البشرية؛ وتعتبر منطقة المغرب العربي من بين المجالات الجغرافية التي تطور فيها هذا النظام الاجتماعي عبر العصور واتخذ أشكالا مختلفة وعرف ديناميات مستجدة حسب الفترات التاريخية  ونوعية السلطة السياسة التي تظهر هنا أو هناك، ولعل ذلك ما دفع المفكر جاك بريك إلى القول أن منطقة المغاربة هي مجال للتقاطعات الكبرى والانشطارات والديناميات السياسية ـ الاجتماعية، بل ظلت فضاء رحبا للبحث عن هوية الذات من خلال استراتيجيات مختلفة مثل الأنساب والهجرة والترحال والمناورة"(2)، وهذا المعطى يدفعنا إلى القول بأنه لدراسة التنظيم القبلي سوسيولوجيا وانثروبلوجيا لا بد من العودة إلى التاريخ، فالتاريخ وحده يعيننا في فهم القبيلة، خاصة بالنسبة لهذه المنطقة الواقعة ما بين البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء التي تشكل واسطة العقد ما بين حضارات مختلفة تماما كما تمثل الآن حدود العالم الإسلامي من الناحية الغربية(3).

وفي هذا البحث سنقتصر على القبيلة الصحراوية ذات الطابع المعقلي- الحميري: مكوناتها، مميزاتها، وأساليب تدبير شؤونها؛ باعتبارها أحد المكونات السياسية - الاجتماعية للمجتمع المغربي عموما.

 وقد بدت فاعلية هذه المنظومة القبلية الصحراوية في القرون الأربعة الأخيرة بفعل تضافر مجموعة من العوامل كالانتقال من الاستقرار نحو الظعن، ودور الصالحين والنسب الشريف والممارسة التجارية العابرة للصحراء ما بين حواضر الشمال(فاس- مراكش- تلمسان – بجاية - القيروان- غدامس- طرابلس...) وبين مراكز الجنوب (كاوة - تنبكتو – ولاته – تيشيت – وادان – شنقيط – اندر...).

وهنا نصبح أمام قبائل لا يمكن تحديدها بالمجال الجغرافي الذي تشغله فحسب، ولكن نحن بصدد مجموعات متنقلة وأنساب مكرسة واستراتيجيات متعددة في التكيف مع المجال والمجتمع والطوارئ الخارجية (سلطة الدولة، الاستعمار..).

ففي منطقة الساقية الحمراء تتواجد قبائل بهذه المواصفات: الرﮔيبات، وأولاد بسباع، وتكنه ادليم والعروسيون؛ تركت الزراعة وحياة المداشر والقصور نحو حياة الظعن؛ ونماذج من قبائل تكنه وأولاد سالم والشعامبة بجنوب الجزائر التي أصحرت نحو أزواد إلى تخوم بلاد السودان؛ كما نجد حالات أخرى قدمت من الجنوب في اتجاه الصحراء مثل قبائل أولاد تيدرارين، وتجاكانت التي هاجرت من الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى (قصر تينيكي) نحو غفار عرق شاش وتيرس والحمادة وزمور.

والقبيلة الصحراوية ليست دائما ذات حركية خطية من الحواضر نحو الإصحار، ولكنها قد تمارس العكس وذلك بترك الظعن لمداهمة القصور والمراكز الحضارية والاستيلاء عليها وأمامنا نماذج حية في التاريخ الحديث مثل هجوم قبيلة آيت أوسى على قصر آسا بمنطقة درعة بالمغرب 1867، و استيلاء الرﮔيبات على قصر تندوف نهاية القرن التاسع عشر1897، وهجوم قبيلة اعريب على قصر امحاميد الغزلان" أولاد امحيا" بداية القرن العشرين.

وهذه الدينامية تبين أن كلا من البداوة والحضارة بالصحراء، تعد وسيلة مختلفة، لكنهما تتكاملان وترتبطان للتكيف مع البيئة الصحراوية ومناخها القاسي.

الفصل الأول:

القبيلة في المغرب عند الباحثين

حرص الباحثون والكتاب الغربيون على تداول هذا المصطلح في تقاريرهم وكتاباتهم عن المغرب؛ ومعنى هذا أنه ساعد في الجهود العلمية الاستعمارية الاستشراقية، وطفحت به التقارير التي أنجزها عدد من المستكشفين والمغامرين الغربيين الذين تسللوا إلى المغرب قبل المرحلة الاستعمارية ومهدوا الطريق للحماية التي فرضوها قهرا وقسرا على المغرب.

وتواصل استعمال المصطلح في ظل الحماية الاستعمارية من خلال عدد من البحوث والتقارير التي كتبها ضباط المخابرات الفرنسية والاسبانية وجماعة من المسؤولين الإداريين والعسكريين الذين أقاموا في واد نون والصحراء عموما بين ظهراني الأهالي لجمع أكثر ما يمكن من المعلومات عنهم وعن حياتهم وعاداتهم وأحوالهم المادية والثقافية، من أمثال لو شاتلي وبول مارتي ولاشابيل وفانيسا مونتي وروبير مونتاني الخ...

ولما أحرز المغرب استقلاله وتمكن عدد من أبنائه من تلقي العلم في الجامعات المغربية والأجنبية، عكفت ثلة منهم على دراسة ساكنته من جوانبها المختلفة وعلى مراجعة ما كتبه رجال الحماية وضباطها؛ وهكذا ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة مجموعة دراسات وتحليلات تهم القبيلة في المغرب في الفترة الكولونيالية وما بعدها من أبرزها:

· رسالة الهراس عن قبيلة جبلية، بشمال المغرب وهي قبيلة انجرة.

· دراسة رحمة بورقية عن علاقة قبائل ازمور بالدولة.

· دراسة احمد التوفيق عن اينولتان والقبيلة والزاوية والمخزن لرشيد بكاج الذي خص القبيلة بالفصل الثالث من عمله وانتقد الدراسات الكولونيالية ونظرية التعارض.

· ومن تلك الجهود أيضا ما تم عن الواحات المغربية  قبل الاستعمار: غريس نموذجا، للباحث بن محمد قسطاني. وقد عالج الباحث موضوع القبيلة المعنية من جوانب مختلفة: في الزمان والمكان والإنتاج والتنظيم الاجتماعي والبيئة والدين والوضع الثقافي.

· ومنها الرسالة التي أنجزها الهادي الهروي تحت عنوان: القبيلة والإقطاع والمخزن، التي ركز فيها على مفهوم القبيلة في الكتابات الكولونيالية الفرنسية عن مفهوم الانتروبولوجيين والماركسيين كمؤسسة وكنظام.

· و دراسة محمد حالي: المجتمع والأزمات الديموغرافية في تاريخ المغرب في القرن الثامن عشر، فعن موضوع القبيلة تعرض هو الأخر لمفهومها في بعض الكتابات الغربية وأشار إلى بعض الاضطرابات القبلية العنيفة التي وقعت بعد وفاة المولي إسماعيل واستمرت طوال حكم المولى عبد الله، ومن ضمن ما تناول تحركات قبائل الجنوب والصحراء.

· وأدلى بوسلام محمد بن البشير بدلوه فألف كتابا في تاريخ قبيلة بني ملال .

·وهناك بحث عن قبيلة بني زروال سبق البحوث المذكورة.

· ولعبد الرحيم العطري بحث موجز تناول قبيلة الرحامنة بين المخزن والزاوية.

·ولبوبية أحمد دراسة يدور موضوعها حول قبائل زمور والحركة الوطنية.

·وهناك كتاب الرحامنة وعلاقتهم بالمخزن للباحث الصديق عبد الرزاق.

الدراسات حول قبائل الصحراء والجنوب

· وبخصوص قبائل الجنوب والصحراء أنجز لمحمدي دراسة تناولت قبائل آيت باعمران تحت عنوان: السلطة والمجتمع في المغرب.

·وقد خص ناعمي قبائل تكنة بأطروحة تناولتهم من الناحية التاريخية والاقتصادية، وهو الذي نشر عدة أبحاث خاصة بقبائل هذه المنطقة.

·واهتم محمد دحمان بمسألة الاستقرار والترحال في الصحراء: الساقية الحمراء وأعد أطروحة حول أبناء أبي السباع.

·وساهم عمر ناجيه ببحث عنوانه: البنيات الاقتصادية والاجتماعية لقبائل واد نون قبيلة آيت لحسن نموذجا، من قبائل آيت الجمل.

·أما أحمد جوماني فإنه اهتم بواحة أسرير وخصها بكتاب كامل.

· وألف رحال بوبريك مجموعة كتب تعالج قضايا تتصل بالصحراء وقبائلها منها كتاب: زمن القبيلة.

·وكذلك دراسة حمدي أنوش: ظاهرة التمدن بالجنوب المغربي، ﮔلميم نموذجا.

·وشارك الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين بكتاب عنوانه : قبائل الصحراء المغربية أصولها، جهادها، ثقافتها.

· كما أدلى محمد بوزنكاط بدلوه أيضا ببحث قارب فيه بعض قبائل الصحراء من الوجهة الاجتماعية في فترة محددة تمتد ما بين القرنين السابع عشر والعشرين.

·ولم يفت عدد من الباحثين الالتفات إلى قبيلة آزوافيط مثل ناعمي وجماني ومحجوب كماز وآخرين ممن نشروا مقالات وأبحاثا متفرقة تهم هذه القبيلة.

· الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، محمد صالح بن عبد الوهاب، تقديم وتحقيق: الدكتور إزيدبيه ولد أحمد محمود و الدكتور سيد أحمد ولد أحمد سالم، منشورات المعهد الموريتاني للبحث العلمي، 1418 هـ \ 1998م.

تاريخ بلاد شنـﮔيطي "موريتانيا"، حماه الله ولد السالم، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2010م.

كتاب قبيلة ازوافيط مجاهدة وإصرار للدكتور دريس ناقوري.

كتاب ايت لحسن القبيلة-التاريخ-المواقف للدكتور دريس نقوري.

كتاب الشرفاء الرقيبات دراسات أناسية  تاريخية اجتماعية للدكتور دريس نقوري.

 فضلا عن المقاربات العلمية التي عنيت جزئيا بالقبيلة وتخللت كتابات عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد القبلي، وهم الأساتذة الأوائل الذين اعتنوا بتاريخ المغرب ومكونات مجتمعه.

هكذا حظيت قبائل الجنوب: واد نون والصحراء بجهود علمية وأكاديمية بأقلام مغربية تنتمي إلى منطقتها، تصدت لمقاربة قضاياها ومشكلاتها من الزاوية التاريخية والاجتماعية والبشرية بمناهج حديثة؛ وكان من بين أهداف أصحابها مراجعة ما كتبه الغربيون في مرحلة ما قبل الاستعمار وفي أثنائه وإعادة النظر في ضوء ما استجد من معلومات وحقائق ومعطيات.

الفصل الثاني:

مكونات المجتمع القبلي الصحراوي

المجتمع عبارة عن بنيات وأنظمة ومؤسسات منها القبيلة التي حظيت منذ القديم بتعريفات كثيرة ومقاربات متعددة يمكن أن نعدد منها العشرات، منها اللساني ومنها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها الأنثروبولوجي ومنها الجغرافي ومنها التاريخي إلخ.

والقبيلة في اللسان العربي متعددة المعاني والدلالات منها ما هو مادي أصلي ينصب على الأنواع الطبيعية ومنها ما هو من قبيل الاصطلاح وهنا حدث ولاحرج:

فقبائل الرأس مثلا أطباقه وفلقه، وقبائل الرحل أحناؤه، وقبائل الشجرة أغصانها، وكل قطعة من الجلد تسمى قبيلة، والقبيلة تطلق كذلك على صخرة تكون على رأس البئر وعلى أصناف من الطير ومن الناس من ينتمون إلى أب واحد.

وحتى لا نركن للخوض في تحليل لغوي مسهب يحيد بنا إلى متاهات فقه اللغة وفلسفتها نكتفي بالقول أن مادة قبل كما تسجل ذلك معاجم اللغة وكما هو واضح من منطوقها تتكون من ثلاثة أحرف تدل على مواجهة شيء لشيء  فكأن القبيلة إنما سميت قبيلة لأنها تواجه قبيلة أخرى أو تتساكن معها في فضاء مشترك، والمواجهة قائمة في كل الأحوال، في السلم والحرب، وقيل سميت كذلك لأنها تسير نحو قبلة واحدة.

فهي إذن مفهوم شامل ومصطلح متداول في اللغة وفي علم الأنساب والبيولوجيا وعلم الحيوان والنبات وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ.....

إن منطقتي واد نون والصحراء المغربية احتضنتا عبر تاريخهما الطويل عددا من الأقوام وفدوا عليها في ظروف تاريخية عصيبة وشروط اجتماعية متفاوتة القوة والتأثير لأسباب مختلفة منها الحروب ومنها الزهد والرغبة في العبادة والانقطاع إلى الخالق سبحانه أو في الاستقرار ومنها التجارة الخ... من تلك الأقوام الأدارسة الذين تفرقوا في مناطق المغرب بعد تفتت دولتهم ومنها حشود وجنود المرابطين الذين اكتسحوا المنطقة في طريقهم إلى المغرب حيث أسسوا دولتهم ومنها القبائل العربية التي وفدت من الشرق حاملة لواء الإسلام.

ومنها ما انحدر من أصول عربية قادمة من الشرق العربي امتزج بسكان من أرومة صنهاجية أو إفريقية أو من أحفاد الأدارسة الذين هاجروا إلى الصحراء، لما انقسمت دولتهم إلى إمارات.

هؤلاء هم الذين استوطنوا وعمروا الصحراء منذ قرون، ومنهم تشكلت البنية الديموغرافية لمجتمع الصحراء القبلي.

لقد شكلت قبائل الصحراء تداخلا بين مختلف سكان الوطن من الأخصاص شمالا وغيرها من مختلف قبائل الشناقطة التي استقرت على الضفة الشمالية للنهر الفاصل بين الشقيقة موريتانيا والسنغال، وللاندماج الذي حصل بين سكان الصحراء من لـﮕويره إلى ﮔليميم إلى تنبكتو إلى تندوف إلى اندر، أصبحت لفظة الشناقطة تطلق على كل تلك المجموعة من سكان الوطن، ابتداء من وادي نون وحتى نهاية حدود المغرب الطبيعية القديمة جنوبا.

وإذا كانت الأخبار المتواترة والوثائق القليلة التي عثر عليها تثبت كلها بأن هذه المناطق التي يطلق عليها اليوم الساقية الحمراء ووادي الذهب، إضافة إلى منطقة درعة ووادي نون كانت كلها مناطق تعمها الغابات والبساتين والمياه الجارية، مما جعلها تعرف حضارة كبيرة وازدهارا عظيما، إلا أن الحكايات القليلة القائلة بهذه الظاهرة لم تحدد لنا مدة مضبوطة لذلك الرخاء، والشيء المحقق أنه عتا عليها الدهر حتى لفها في سجل النسيان، والأمل معقود على الاكتشافات الأثرية التي أصبحت يعثر عليها من حين لآخر مبشرة بخير لتحديد مدة تلك الحضارات ومن هم أهلها وما هي المدن التي استقروا فيها.

فإذا كان تحديد بعض المعالم الحضارية للفترات السالفة مهما جدا فان تحديد الأصول البعيدة للسكان أكثر منه أهمية، ولقد أكد جميع المؤرخين على أن نزوح السكان إلى الصحراء تم من الشمال إلى الجنوب وإنهم  من سلالات شريفة إدريسية وبعض البطون العلوية - وهؤلاء تاريخ وصولهم للبلاد مضبوط – وبعض السلالات الصنهاجية وجذور من زناتة، وغيرهم من القبائل البربرية التي وصلت قبل الإسلام إلى تلك الجهات، كما انضمت إليهم جماعات من العرب وصلت مع الفتح الإسلامي واستقرت في الشمال الشرقي للمملكة على إثر تأسيس إدريس الثاني مدينة فاس سنة 192 هجرية، ونظرا لخبرتهم بشؤون الدين ومعرفتهم بلغة نصوصه، وقدرتهم على التنقل ومراس التجاوب مع التحولات التي أحدثها الإسلام أهلتهم تلك الصفات للانتشار في مختلف الرقعة الإسلامية بأعداد مؤثرة ولو كانت قليلة.

ومن ضمن هذه القبائل قبائل بربرية، والمسعودي جعل البربر من قبائل غسان أو من لخم، وإلى عروبتهم ذهب كثير من المؤرخين، أما وصولهم إلى الشمال الإفريقي فقد نتج عن أثار السيل الذي حطم سد مأرب وما تبع ذلك من انهيار الحضارة التي تكونت على ضفافه، وتيه قبائلها في البراري بحثا عن أماكن تجعلهم قادرين على الاستقرار من جديد، والاشتغال بالمهن التي توارثوا تعاطيها بفضل السد، وهذا الاحتمال أو القول يترجمه إقبال هذه القبائل على تعاطي جميع أنواع الفلاحة سواء ساعدتهم الأرض على ذلك أم لم تساعدهم.

وبقيت قبائل كثيرة من هذه السلالة متمسكة بأصولها العربية الحميرية وتدخل فورا في نزاع دموي إذا طعن في ذلك خير مثال على ذلك قبائل لمتونه ومسومه وتجكانت وإدوعيش وتندغه والطوارق في أقصى جنوب المغرب التاريخي... 

وتحدثنا المصادر المكتوبة بالتواتر بأن بني حسان وبني هلال تمكنوا من الانتقال إلى جنوب المملكة المغربية خلال مراحل متفاوتة، كما يجمع المؤرخون أنهم شيدوا حضارة بالصحراء المغربية، ثم اندثرت ولم يبق لها دليل إلا ما يكتشف من حين لأخر من بعض الآثار التي دلت الحفريات على أنها تجسد معالم حضارات متعاقبة قسا عليها الدهر وأودعها في سجلات الاندثار.

ثم إن قبائل الجنوب المغربي شكلت صلة وصل بين صنهاجة الجنوب الذين عاشوا على ضفاف النهر الفاصل بين موريتانيا والسنغال والذين غلبت عليهم تسمية الشناقطة، فظلت تلك القبائل محافظة على عادات وأنماط من الحياة تنفرد بها من بين جميع سكان الوطن العربي، كما ظلت معتزة بانتمائها المغربي العربي وأصبحت تعرف بالملثمين، ومنها انبثقت دولة المرابطين، كما تأصلت فيها شيم الكرم العربي والنبوغ الأدبي وحفظ العهد وصدق الولاء للوطن، وتنسبهم جل الحكايات إلى حمير وبذلك يرتفع نسبهم إلى العرب العاربة، ولعل اللغة التي يتكلمون بها تنبئ عن أصولهم العربية البعيدة، وتمسكهم بالانتماء العربي الذي ارتضوه لأنفسهم وتشبثوا به انتماء ولغة مع الحفاظ على جميع المقومات الثقافية بما فيها اللهجة الأمازيغية.

نستطيع تحديد معالم الأصول العامة لسكان الصحراء المغربية، فهم يرجعون إلى عرب المعقل والى القبائل الحميرية العربية التي يرجح أنها هي الأصل الأعلى لجميع القبائل البربرية، هذا بالإضافة إلى السلالات الشريفة التي تميزت بحفظ أنسابها، وتكاد تكون مجتمعاتها ساهمت في عدم قبول انصهار غيرها فيها تكريما للنسب النبوي الكريم واحتراما لمن ينتسب إليه.

هذا عن الأصول التي يمكن أن ندرس شؤون السكان تحت عناوينها بدل التقسيمات المعروفة اليوم في الصحراء، والتي أطلقت توارث الحرف المهنية على الانتماءات السلالية وحددت كنسبة لا يعرف الناس غيرها ولا يرضى بعضهم بدراسة الشؤون الاجتماعية والتاريخية إلا انطلاقا منها، ومفادها أن السكان في فترة ما ـ لم تحدثنا المراجع عن بدايتها ولا عن الذين سنوها ـ قسموا مهام الحياة إلى ثلاثة اختصاصات هي:

1. أهل العلم درسا وتدريسا، فعليهم تقع مسؤولية شؤون دين المجتمع، وإليهم ترجع الفتوى، وبين أيديهم يحتكمون، وبما حكموا به ينفذون، ونظرا لأنهم عادة يستقرون أكثر من غيرهم فيصل نفع علمهم لكثير من شرائح المجتمع فقد أطلقوا عليهم اسم الزوايا.

2. أما الطائفة الثانية فاشتغلت بحمل السلاح والذب عن حوزة الوطن والعمل على تنفيذ أحكام الطبقة المشتغلة بالعلم، وقد تجمعت جل السلطات التنفيذية بيد حملة السلاح الذين ظلوا متشبثين بالتسمية الأصلية للجميع بقطع النظر عن تقسيماتهم الخاصة والتي سنذكرها في محلها.

3.  أما الطبقة الثالثة فهم المشتغلون بالتنمية، وبما أن البلاد أصيبت في فترات قديمة وغير محددة بقحط شديد اجتث ما كانت تعرفه من ازدهار فلاحي، فان تنمية الحيوانات أصبحت هي الملجأ الوحيد لمختلف السكان، ولكن جل الذين يقومون برعيها وتنميتها هم الطبقة الثالثة التي أطلقوا عليها اسم ازناﮔـه بزاي معقودة وكاف كذلك، ثم أصبحت هذه التخصصات مهنا تتوارث واطرد تأصلها في خلق كل طائفة حتى تميزت به وسميت باسمه، فأصبح السائد عندهم أن يقسموا المجتمع إلى عرب وزوايا وازناﮔـه، إضافة إلى الشرفاء الذين ظل نسبهم مميزا لهم عن غيرهم.

إلا أن هذا التقسيم المهني الذي أصبح يعتقد البعض أنه سلالي ليس على إطلاقه، فكم من جماعة أو أفراد من طائفة نبغوا في المهنة التي تميزت بها الطائفة الأخرى، ففي الزوايا من اشتغل بالكسب والأعمال اليدوية وحمل السلاح، ومن العرب من بلغ شأوا كبيرا في العلم وتعاطى نفس الأعمال التي عرفت بها القبائل التي أطلق عليها اسم أزناﮔـه والتي هي تحريف لكلمة زناتة أو صنهاجه، ومن هؤلاء الأخيرين من أصبح عالما وشاعرا وراميا بطلا شجاعا، وبذا يتضح لنا أن هذه التسميات لا داعي لدراسة شؤون السكان تحت مسمياتها، لأن التطور الزمني ذهب بها بعيدا إلى أبعد من التخصصات الحرفية، وقد أشار كثير ممن اتسمت بحوثهم بالنظرة العلمية المجردة إلى أن هذا التقسيم لا يجد مستندا يبرر التمسك به، وإلى ذلك أشار أحمد بن الأمين العلوي في كتاب الوسيط عند حديثه عن الموضوع إلى أن هذا التقسيم غير معروف لدى المشارقة وحتى في المغرب الذي هو أصل أولئك السكان، بل هو تقسيم خاص بالصحراء المغربية ولا مستند له، إذ أن من العلماء من كان حدادا، ومنهم من كان تاجرا ومنهم من اشتغل بالفلاحة أو الكسب أو الحياكة، فكل الحرف تعاطاها العلماء لإغناء أنفسهم عن الاحتياج إلى الناس لتبقى لهم هيبتهم وسلطتهم، حتى أن تعاطي الحرف لم يكن حتى في عهد الجاهلية مفهوما، حيث كان الوليد بن المغيرة حدادا.

ثم إن هذا التقسيم انتقل مع الزمن ليفرض نوعا من الابتزاز على بعض الطوائف الثلاثة، إذ أصبحت طائفة قبائل ازناﮔـه مبتزة من فئتي العرب والزوايا، تفرضان عليها غرامات متوارثة لا تستند على أي أساس شرعي سوى الغلبة وفرض إرادة التحكم، واعتبارا لذلك تكون دراسة أحوال تلك الجماعات تحت تلك الألقاب لا يخلو من إجحاف ببعضهم  خصوصا في هذه الفترة التي تميزت بخصوصيات لا تقرها إملاءات الظروف المتجددة، فتطور الإنسان واحتكامه إلى جملة من المسلمات من بينها الديمقراطية، تجعل معاملة المجتمع على أساس طبقات – يتحتم على أجياله أن تخضع لنتائجها ولو وقعت تحولات متميزة عن السير في الاستمرار في ممارستها- أمر لا يتسم بالتجرد والعدل.

أما المجموعات البشرية التي تعد عماد المجتمع القبلي في الصحراء فهي القبائل المغربية الكبيرة والمشهورة وتضم :

الرقيبات(4)، وجذوعهم:

1.  أولاد علي بن سيدي أحمد الرقيبي وبطونهم

· أولاد موسى

· السواعد

· أولاد داود

· المؤذنين

2. أولاد اعمر

· أولاد الشيخ

· اتهالات

·  أولاد طالب

· أهل الدليمي: أصلهم من أولاد الشيخ،  لكن لكثرتهم انفردوا عنهم

3. القواسم وبطوانهم

·  البيهات

·  أهل ابراهيم وداود

· الفقراء

· سلام

·  أهل الحسن واحماد

·  أهل القاسم وابراهيم

·   الجمحة

·   أهل سيدي علال

·   السلالكة

· أولاد سيدي احماد

· الحميدنات

وأولاد أبي السباع(5)ويتفرعون إلى ما يلي:

· أولاد النمور أولاد عمران

· أولاد عمر

· أولاد إبراهيم

· أولاد بكار

· العوامر

· أولاد الغازي

· العبيدات

·  الدميسات

·  أولاد الحاج

·  أولاد محمد

وقبائل تكنه(6)وتشمل :

· الزرﮔيين

· ءايت الحسن

· ءايت موسى وعلي

· يـﮕوت

· أولاد بوعيطة

· ءايت الخمس من ءايت باعمران

· مجاط التي ترجع إلى قبيلة مجاط الكبيرة المعروفة بسوس

·  لميار

· لفيكات

· أبناء تيدرارين

·  ءايت وسه

·   آزوافيط

·   ءايت ابراهيم

·  ءايت حماد ءايت ياسين

·   اصبويه من ءايت باعمران

·  ءايت عثمان

·   ءايت بوهو

·   ءايت برييم

  أولاد دليم (7)

تنتسب لدليم بن حسان، وقد شكلوا وحدة قبلية قوية ومؤثرة، وهم يتكونون من وحدات محاربة كل منها له رئاسته المستقلة، منها:

· أولاد المولاة في أزواد بمالي حاليا.

· الـﮕـرع في انوذيبو وإينشيري.

·  أولاد اللب في ولاية إينشيري بموريتانيا.

·  لوديكات في الصحراء المغربية.

·  أولاد تــﮕـدي في الصحراء.

·  أولاد باعمر في الصحراء.

· أولاد لخليـﮕـه في الصحراء.

· السراحنه في الصحراء.

العروسيون(8)، وهي قبيلة شريفة ذات وزن بشري ومادي وثقافي كبير

قبائل جنوبية أخرى مهمة

· فلاله 

·  توبالت

·  أهل الشيخ ماء العينين

·  إديقب

· أهل بارك الله

·  تاجكانت

·  أولاد أبييري

·  أهل محمد سالم

·  كنته

الفصل الثالث

مميزات المجتمع القبلي

القبيلة الصحرواية لا تختلف في سماتها ومميزاتها كثيرا عن القبيلة العربية التقليدية، ويمكن أن نتصور أهم تلك المميزات من خلال النقاط التالية:

1\ القبيلة الصحراوية، تعتمد نظام الترحال، تشيم المرابع الممرعة، وتتعلق بأذناب حيواناتها، إذا كانت رعوية، وتتمسك بمعولها ومنجيلها إذا كانت فلاحية، وفي كلتا الحالتين يطبعها طابع البداوة.

2\ لا رابطة اقتصادية تنظيمية لمؤسسة القبيلة، بل يتم معالجة شؤون المال تبعا للضرورة والحاجة، فتوزع الديات مثلا على العاقلة، على الصيام البالغين من أفرادها، ويكون هناك مسؤولون أسريون يتولون جباية ذلك وجمعه عند عريف القبيلة، وعلى ذلك المنوال تسير النوائب.

3\ قد لا تكون القبيلة عسكرية، تتدثر باللبوس الثقافي والديني وتحتمي به، وعادة ما يتولى الدفاع عنها حلفاؤها من القبائل العسكرية.

4\  قد تكون القبيلة عسكرية ومتعلمة في نفس الوقت، تحمل الصمصام بيد وبيد تحمل اليراع.

5 \ تعتبر القبيلة الصحراوية في حقيقتها عبارة عن تحالف قبيلي أسري، لا ينتمي لجد واحد، اجتمع على قائد سياسي وعسكري، أو ولي صالح عالم، وبه تتسمى وإليه تنتمي.

6\ تحتفظ أغلب القبائل بنسبها مشجرا، وحتى دخلاؤها يحتفظون بأنسابهم رغم انتمائهم لغيرها.

7\ تجد معاني العصبية الجاهلية والنعرات بادية للعيان في أخلاقيات كل القبائل الصحراوية، فالأخ ينصر بغض النظر عن أحقية تلك النصرة وشرعيتها.

9\ توجد تراتبية اجتماعية تفاضلية داخل كل قبيلة، فهناك نبلاؤها وهناك فضلاء الدخلاء وهناك الأتباع من الطبقات المسخرة، ويبدو ذلك جليا في طقوس الزواج، فتبادل الزيجات يكون بين كل طبقة، ولكل ذكور طبقة أعلى الحق في الزواج من إناث الطبقة الأدنى منها والعكس غير صحيح.

10\ لا تخلوا مخيمات أية قبيلة مهما كانت من تواجد لأهل العلم ومن مدرسين للقرآن والعلوم الشرعية، ولهم وزنهم ونفوذهم .

11\ القبيلة الصحراوية تحترم المرأة وتبجلها، وإذا لم يكن لها دور تقليدي محدد فإن لها دورا حاسما إذا ما أرادت لنفوذها العفوي عند الرجل الصحراوي، غير أن دورها الاقتصادي لا مراء فيه فهي القيمة على البيت ومساهمة فعلية في صناعة مكوناته وأجزائه، وفي تربية التنشئة والقيام على الضيفان وإدارة الشؤون الفعلية للأسرة في توزعة يلخصها قانون التوزعة التقليدية: فالرجل مصدر"جيّاب" والمرأة مديرة تنفيذية" ﮔوام"، تجد ذلك في المثل الحساني " الواعر ماه جياب الواعر ﮔوام".

12\ القبيلة بنية مستقرة تنبني أيديولوجيتها القائمة على التضامن والتكافل والعصبية، ومن سماتها كون بنيتها الاجتماعية تنهض على نمط من التكيف الموافق للظروف والملابسات.

13\ من المنظور الاجتماعي القبيلة الصحراوية نموذج مورفولوجي يضم عددا من الأفراد يتعايشون في فضاء واحد، وهؤلاء يشكلون أقسام القبيلة وهي الشعب والعمائر والبطون والعشائر والأفخاذ، ووجود هؤلاء الأفراد فوق تراب مشترك في ظل قواسم مشتركة مثل اللغة والعادات والتاريخ والشعور بالانتماء إلى جد واحد(ولو بالحلف) وتراث واحد كل ذلك يشكل قاعدة مادية ومعنوية ينهض عليها المجتمع القبلي في الصحراء بل وفي كثير من بقاع العالم.

14\ القبيلة بنية ثابتة مستمرة لا تزول بزوال الأفراد، فهي مثل المجتمع والدولة والحكومة وغيرها من المفاهيم السياسية والاجتماعية ما إن تستقر وتتوطد حتى تستقل عن الأفراد لتصبح بنيات ذهنية وتصورات فكرية تعبر عن حقائق الواقع .

15\ المجتمع القبلي مجتمع محلي بمعنى أنه جزء من تجمع كبير يخضع لدولة منظمة وقد يكون مستقلا عنها، يمارس تسييره الذاتي في حدود معينة، ومن سماته كونه مجتمعا مدنيا أو على الأقل هو مجتمع تتوفر فيه مجموعة من خصائص المجتمع المدني كالاستقلال عن الدولة وممارسة التسيير الذاتي وخدمة المصالح المشتركة والتضامن الخ...

16\ مصطلح القبيلة ينقلنا من الفردية إلى الجماعية عبر تدرج يبدأ بنواة أساسية هي الأسرة ثم يتسع باتساع وحداته الاجتماعية: العشيرة والفخذ والفصيل والبطن والعمارة ثم القبيلة، فهو لا يكتمل إلا من خلال توافر وتكامل تلك الوحدات المترابطة التي تجمع بينها العصبية وآصرة الدم والقرابة، أو التحالف، وغالبا ما يكون مغلقا ومتماسكا على مستوى القبيلة مفككا على مستوى القبائل المختلفة كما هو الشأن في الصحراء.

17\ المجتمع القبلي مجتمع متحرك وديناميكي قائم على الترحال والبحث الدائب عن الماء والكلإ، وهو مجتمع محارب يكثر الاقتتال بين قبائله لأسباب واهية أحيانا، فهو إذن بنية أو مجموعة بنيات متلاحمة ومتداخلة يجمع بينها الاتصال في حالة السلم والانفصال في حالة الحرب يصدق عليها ما يصدق على القبائل البدوية العربية التي كانت الحرب تنشب بينها

لأبسط الأسباب ولكنها كانت، كما يقول شاعرها(9):

إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها         تذكرت القربى ففاضت دموعها

 

الفصل الرابع

أساليب تدبير شؤون القبيلة الصحراوية

القبيلة الصحراوية تساس بآليات بدوية بدائية، هي أقرب إلى مفاهيم السيبة منها لآليات المخزن، يكون مقودها بيد أحد المنتمين لسيدها المؤسس، وله مستشارون وأعوان من أقاربه ومتميزي القبيلة.

وهكذا فالقبيلة الصحراوية، ليس لها نظام سياسي محكم، رغم أنها تنتظم في العادة في سياق مشيخة يتوارثها نبلاء القبيلة، وقد تنحصر في أسرة واحدة، بيد أنها قد توجد الزعامة في دخيل أو غير نبيل ومن بعد ذلك يكون التراكم في سلالة وفروع ذلك المنبت، وقد يكون التمثيل في ذلك يثير بعض المحاذير.

وقد تحكم القبيلة من جماعة تتكون من النافذين والفاعلين الاقتصاديين والقادة العسكريين والحكماء، وتتجسد حسب طبيعة القبيلة عسكرية كانت أو زاوية.

وكانت القبيلة عند منظري الاستعمار الفرنسي مؤسسة محورية في المجتمع المغربي إضافة إلى المخزن والزوايا؛ فهي تشكل عموما نظاما ما قبل الدولة، أي نظاما عتيقا وجب تجاوزه. وقسموا القبائل إلى قبائل عربية وبربرية (أمازيغية) القبائل العربية منها دخيلة وتابعة للمخزن وأداة في يده من خلال ما توفره له من جند في إخضاع القبائل البربرية، وحين تصل إلى السلطة تعيد إنتاج النظام الاستبدادي الشرقي، وأما القبائل البربرية فهي من منظورهم نموذج القبيلة الديمقراطية الغيورة على حريتها واستقلاليتها والتي تتمتع في تدبير شؤونها بجماعة ومؤسسات مستقلة عن الدولة المركزية، إنها نموذج السياسة المدنية اللائكية في مواجهة المد الإسلامي(10).

وليست هناك مكوس جبرية ولا بيت مال مقنن لتمويل شؤون القبيلة الصحراوية، وليس لها نظام عسكري مهيكل ومنضبط، فالحاجة تفرز الوسيلة التي يتطلبها الموقف، سواء تعلق الأمر بإعداد الجيوش، أو جمع أموال، أو إبرام اتفاقيات، أو اتخاذ قرارات السلم والحرب، أو مراسيم الاستثمار كالسدود والحفر وغيرها.

تحشد القبيلة قواها العسكرية عند أبسط تهديد يتهددها من الخارج، فيجتمع القادرون على حمل السلاح، وينتظمون في أسلاك فخذية تتوزع فيما بعد حسب مصطلحات"لخوالف"، التي تستمد معانيها من التوزعة التقليدية للجيوش : ميمنة وميسرة وقلب ومؤخرة...

وفي الحقيقة تطبع قرارات القبيلة العفوية والمزاجية، لدرجة أنها قد تدخل حربا مدمرة بسبب تنابز لفظي أو شجار فردي بسيط نتيجة خلاف على مزرعة أو مشرب أو مرعى.

وتشكُّلُ ذهنية القبيلة المتميزة لا يمكن إدراك طبيعته إلا بوضعها في سياقها التاريخي الحضاري، يقول عبد الله العروي بهذا الصدد كل بلد ينتمي كليا أو جزئيا، قديما أو حديثا، إلى عالم العروبة والإسلام، لا تفهم أوضاعه السياسية إلا بالرجوع إلى الذهنية القبيلة.

 تلك الذهنية التي طبعتها ظروف الصحراء بطابعها الخاص المتميز بموارده الشحيحة وأوضاعه المتقلبة ونزاعاته التي لا تنقطع؛ وهو ما منح "القبيلة الصحراوية" ميزة المرونة في الحركة والمهارات اللازمة لإدارة الأزمات والمناورات والمفاوضات والمساومات مع التحلي بالصبر والإصرار، وذلك من أجل الحد من الخسائر وتعظيم المكاسب لضمان البقاء والاستمرارية.

إن القبيلة الصحراوية لا تعني تنظيما سياسيا اجتماعيا مستمدا من أصل صحراوي، ولكنها كيان تبلور في مجال صحراوي مقفر بعد رحلة شاقة من المناطق الزراعية إلى تخوم الصحراء، فالقبيلة حين تعبر إلى الصحراء تنتقل من طور التقوقع الشوفوني والمحلية إلى طور الانفتاح والتوسع، فحق الوجود في الفضاء الصحراوي يتطلب الحرابة والفروسية لحماية الشرف والمال وطرق القوافل وأمنها.

والعصبية القبلية عنصر رئيس في المجتمع القبلي، فعلى أساسها ـ كما أكد ابن خلدون ـ بنيت دول وأسست حضارات، وروي عن المؤرخ اليوناني هيرودوت قوله: إن القبيلة قد تلجأ في سبيل تقوية عصبيتها إلى ما يسمى بالمؤاخاة بين شخص من داخل القبيلة وآخر من خارجها وذلك بأن تجعل الغريب منها يتقاسم مع أحد أبنائها طعاما أو تسمح له بأن يمص قطرات من جرح يحدثه ابن قبيلة في جسمه وبذلك يصبح الشخص الغريب عن القبيلة ابنا متبنى لها.

وعلى العموم فإن آليات اتخاذ قرارات القبيلة الصحراوية بسيطة وعفوية وسريعة يجتمع عليها شيخها مع ما تيسر من جماعته ومستشاريه وحلفائه، ويطبق حسب آلياتها التراتبية الداخلية، من الأسرة للفصيل للفخذ للعشيرة، وقد يكون القرار محدودا خاصا يتخذه سيد الأسرة أو الفخذ، وقد يكون جهويا تابعا للجهة، وفي كل الأحوال فإن قراراتها بدائية وبسيطة وعفوية ....

 

خاتـــــمة

هناك عدد من الأسئلة تطرح بخصوص القبيلة ودورها في الفترة الراهنة:هل هي عامل نمو وتطور وأداة فعالة لتقدم المجتمع واستقراره أم أنها على النقيض من ذلك عائق من عوائق التطور وأداة تخلف المجتمع وتأخره؟

يطرح هذا السؤال وغيره في سياق الحديث عن الحروب والاضطرابات التي اجتاحت إفريقيا على الخصوص منذ ستينيات القرن الماضي مثل تلك التي جرت بين نيجيريا وبيافرا من 1967 إلى 1970 والحرب القبلية في تشاد منذ 1963 والحرب الإثيوبية التي دامت 30 سنة وأفضت إلى استقلال اريتريا وحرب الزايير 1970 وأوغندا على عهد عيدي أمين والحروب الدائرة حتى الآن في السودان والصومال وموزنبيق وغيرها من البلدان الإفريقية، فهذه الصراعات والنزاعات تمثل أمراضا اجتماعية جعلت الدارسين والمراقبين يطرحون التساؤلات السابقة.

ومهما يكن موقفنا من الأجوبة التي جاءت ردا على تلك التساؤلات فإن بعضها يدافع عن القبيلة والأخر يعارضها ولكل منها حيثياته وأسبابه، غير أن المؤكد أنه لازال للقبيلة أهميتها ومكانتها اللائقة بها في كثير من دول العالم وفي أقاليمنا الجنوبية وكذلك في بقية جهات البلاد وحضورها في الأذهان والوجدان والمعاملات والعلاقات ولا يمكن تجاوزها، وكثير من بلدان العالم تشكل من قبائل تجمعت وانضوت تحت لواء الدولة، مثل الإمارات العربية المتحدة وغيرها...

وإلىأن تجد القبيلة الصحراوية خصوصا والقبائل المغربية عموما حظها وافرا من عناية الباحثين والدارسين المهتمين نضع نقطة النهاية.

 

لائحة المصادر والمراجع

1. كتاب قبيلة آزوافيط مجاهدة وإصرار للكاتب الدكتور إدريس ناقوري ص5.

2.  كتاب دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة للدكتور محمد دحمان" ص11

3.  كتاب قبيلة ازوافيط مجاهدة وإصرار للكاتب الدكتور إدريس ناقوري ص36/37. /10.

4.  الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، الملحق1، ص109 \ 110 + تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 250 + حياة موريتانيا(الجغرافيا)، ص 74 \75 .

5.   تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 251 + حياة موريتانيا(الجغرافيا)، ص 73 ـ 74.

6. 1الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، الملحق 1، ص 69.

7.  الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، ص 44 + حياة موريتانيا (الجغرافيا)، ص 86 ـ 87 + حياة موريتانيا(التاريخ السياسي)، ص 100 ـ 102 + حياة موريتانيا(بنو حسان)، ص 176 ـ 180 + الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية،  معلمة الصحراء، الملحق 1، ص 48.

8. الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، ملحق 1، ص 151 + تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 250 \ 252.

9.  البيت للبحتري بديوانه

10.  زمن القبيلة السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي، رحال بوبريك، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2012، ص247 ـ 248.

 

 

إعداد : آدو الشيخ ماء العينين شيخاني

 


1 ـ كتاب قبيلة آزوافيط مجاهدة وإصرار للكاتب الدكتور إدريس ناقوريص5.

2 ـ كتاب دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة للدكتور محمد دحمان" ص11 /10.

3 ـ كتاب قبيلة ازوافيط مجاهدة وإصرار للكاتب الدكتور إدريس ناقوري ص36/37.

4ـ الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، الملحق1، ص109 \ 110 + تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 250 + حياة موريتانيا(الجغرافيا)، ص 74 \75 .

5ـ تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 251 + حياة موريتانيا(الجغرافيا)، ص 73 ـ 74.

6الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، الملحق 1، ص 69.

7ـ الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، ص 44 + حياة موريتانيا (الجغرافيا)، ص 86 ـ 87 + حياة موريتانيا(التاريخ السياسي)، ص 100 ـ 102 + حياة موريتانيا(بنو حسان)، ص 176 ـ 180 + الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية،  معلمة الصحراء، الملحق 1، ص 48.

8ـ الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، معلمة الصحراء، ملحق 1، ص 151 + تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، ج1، ص 250 \ 252.

9 ـ البيت للبحتري بديوانه.

10 ـ زمن القبيلة السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي، رحال بوبريك، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2012، ص247 ـ 248.