البحث في الموقع

التراث الثقافي الحساني والتنمية الشاملة

 إن المهتم بالتراث الثقافي للمجتمعات لايمكن أن يقفز على مجموعة من المتلازمات التي هي بمثابة مدخلات أساسية تؤسس لفهم متكامل لجميع حيثياته، ويتعلق الأمر بالإنسان والمجال والتاريخ.

فالإنسان يعتبر فاعلا مركزيا في هذا التراث الثقافي باعتباره كائنا يخلف الأثر الذي يشهد على أفعاله وتحركاته إن على المستوى المادي المتجسد في المخلفات الملموسة و الواضحة للعيان، إو على المستوى الرمزي من خلال حمولات الوعي الجمعي من تمثلات وتصورات وقيم، مما خول للإنسان أن يصبح الفاعل الأساس في عمليات الحمل.

أما المجال فإنه تلك السلطة الموجهة لفعل الإنسان في مرحلة أولى، كما أنه يصبح في مرحلة ثانية المرآة العاكسة لفعل الإنسان وتحركاته، والمشكلة للملامح  الدقيقة لثقافته من خلال ما يخلفه من أثر مباشر وغير مباشر على الإنسان بفعل الوقع المؤثر لجبرية الجغرافية بتجلياتها المختلفة ( الصحراء، الوادي ، الجبل ، السهل ، البحر ).

ويبقى التاريخ واحدا من هذه المدخلات الأساسية من حيث كونه المسجل والموثق لفعل الإنسان وتحركاته وتصوراته وثقافته ، ولكونه أيضا الخيط اللاحم بين المحلي والجهوي والقاري والكوني.

ولايمكن الحديث عن التراث الثقافي بأبعاده المتراكبة في غياب هذه المكونات المشكلة، بل  نتفق إلى حد بعيد مع طه عبد الرحمان في القول بأن لا حديث عن روح أو حياة لفكر في غياب التراث(1)

ويعتبر التراث الثقافي المحلي امتدادا لأشكال تراثية أصيلة وأخرى طارئة بارتباط وثيق مع تحركات المجموعات البشرية التي يشهد التاريخ الطويل على عدم استقرارها وثباتها مشكلة بذلك الأدوات الفاعلة في عمليات الحمل الثقافي، مفندا في الآن نفسه نظرية النقاء، وهو ما خلص إليه أدولف باستيان أول مدير لمتحف برلين الإثنولوجي عام 1887 الذي أشار إلى أن" الثقافات هي هجين مثل ألأعراق ولا توجد ثقافات خالصة ومميزة وثابتة، فكل ثقافة تستقي من مشارب متنوعة (...) وهي في حالة دائمة من التحول(2). ويذهب زياد الزغبي في الاتجاه نفسه مؤكدا على أن لا ثقافة تتكون من ذاتها بذاتها (3). 

1ـ   التراث الثقافي الحساني المكونات والتجليات:

إن الحديث عن تراث الصحراء يستدعي الوقوف عند مجموعة من المعطيات منها كون الصحراء مجال جغرافي طبيعي متميز بمنظومة مركبة من مناخ وغطاء نباتي ووحيش ذو خصوصية متميزة ، ومنها أيضا أن الصحراء هي امتداد لمجال ثقافي أوسع هو مجال "تراب البيضان" بحمولاته الحسانية ذات الخصوصية المتميزة، مما يستدعي الحديث عن مقومات ثقافية متميزة يمكن إجمالها في :

·        النسيج القبلي بحمولاته الاجتماعية.

·        أنماط العيش المعتمدة على الترحال والاستقرار في الواحات.

·        النظام الغذائي وحمولاته القيمية.

·        اللباس بمتجلياته المحلية والطارئة .

·       الهندسة المعمارية    .

·       ية بشقيها الثابت والمترحل.

·       التصورات والتمثلات ومنظومة القيم المتداولة .

·        هندسة التراث الشفوي التي سطرتها الرواية الشفوية باللسان الحساني.

وإذا كانت الآليات الانتاجية للتراث هي متعددة الأصناف والمراتب منها ماهو مادي ومنها ما هو رمزي(4)، فإن الاهتمام سيتركز في هذه المداخلة حول المكونات المادية و الرمزية من زاوية التمثلات  والتصورات ومنظومة القيم التي كانت متداولة في أوساط النسيج القبلي على امتداد الصحراء من تخوم وادي نون حتى تخوم البحر البارد(5)، ولأن هذه التمثلات هي شاملة ومستوعبة لكافة الأشكال المادية للتراث الثقافي الحساني.

ليس هناك أدنى اختلاف في أن المجموعات القبلية في المجال الممتد من وادي نون حتى تخوم السودان الغربي كانت في حركية مستمرة بفعل جملة من العوامل وعلى رأسها الضغوط البيئية و الهجرات و التجارة بحكم أن المجال الجغرافي المعني هو جزء من الصحراء الكبرى وبالتالي فالاستقرار غير وارد بفعل الظروف الطبيعية البنيوية، التي أفرزت ظاهرة بنيوية أخرى ممثلة في توالي الهجرات، غير العادية للقبائل  وقد لعبت الإبل دورا بارزا في الهجرات والتنقلات(6). وكان من نتائج هذين المعطيين البنيويين وهما الطبيعة والهجرة ظهور نشاط اقتصادي متميز تمثل في تجارة القوافل التي كانت  مزدهرة في المجال الممتد من وادي نون إلى السودان الغربي، حيث برزت أسواق كبرى في وادي نون وتيندوف وتنبكت وشنقيط كانت شاهدة على استراتيجيات القبائل في التجارة والعلاقات حيث راجت مقولات لها مدلولات غاية في الأهمية، ميزت بين المجالات وأهميتها سواء الاقتصادية أو العلمية  وهو ما أسس له المثل الشعبي الدائع في السودان الغربي والقائل:" الملح يأتي من الشمال والذهب يأتي من الجنوب والمال يأتي من دول البيض، أما كلام الله والمسائل والطرائف العلمية والقصص والحكايات الجميلة والحلوة فلا توجد إلا في تنبكت "(7). وقد كان لهذا المثل الشعبي السوداني مثلا مقابلا في ثقافة الصحراء مفاده " ولدك إل استكبل لاترد ول كاف لاتعد" دلالة على أن التوجه نحو شنقيط والسودان الغربي هو مجلبة للغنى المادي والتميز العلمي. فليعلم الواقف على هذه المراكز التجارية ومراكز العلم أنها بؤر لعمليات التواصل ونقل الاخبار. وأصبحت هذ العلاقة الحميمية بين التجارة والأخبار هي سر الوصية التي ترددها الاجيال على لسان الطوارق قائلة:" إيسلان هان إسوان " التي تعني في الترجمة " إذا شئت الأخبار فعليك بالأسواق"(8).

يتبين من خلال المشهد الذي يتميز به المجال موضوع الدراسة أن المجتمع القبلي كان في حركة دائمة ومستمرة أكسبت الناس سلوكات غاية في الفراسة والفطنة والتعقل، وهي السلوكات الرائجة في الغرب حاليا وإن بمظاهر أخرى، وكانت تنتقل بطرق سليمة بين الأجيال في إطار عمليات الانتقال الثقافي(9)، فكان الأطفال يدربون على مواجهة المجال  بحمولاته من خلال: التدريب ، التحمل ، إدارة الوضعيات ، التمييز ، إتخاذ القرارات.هنا تظهر اهمية الموروث الثقافي واستحضاره وتعريف الأسر بخصائصه المميزة التي أصبحنا نفتقدها، في حين يتشبث بها الغرب حاليا، بل ومطبقا إحدى المقولات المحلية لدينا المبنية على حب العمل ونبد التكاسل من خلال مقولة  " خدم تيدم ركد تندم ". وفي نفس السياق تأتي مقولة أخرى تشير إلى الأهمية القصوى للتحرك والتنقل مفادها " ال جال شاف وجاب وال ما جال ماشاف ولا جاب " . والأسر مدعوة في نفس الآن إلى بناء الرجال من خلال مقولات غزيرة ودالة كل واحدة منها تؤدي دورها في البناء في إطار عمليات الحمل الثقافي بين الأجيال، ونورد في هذا الباب مقولة " ال يسمع ألا من وذنيه الله يعطه الطرش" في إشارة لاكتساب الفراسة ، وفي نفس السياق يلاحظ كيف توظف مكونات النظام الغذائي في حمولات القيم والتمثلات حيث تأتي مقولة " الرجالة الا براريد خالك لطيب بجمرتين وخالك لما يطيب لتميت الل تحط الجمر تحت" . كما وظف المجال الجغرافي في تمرير الكثير من المقولات نختار منها على سبيل المثال لا الحصر" الدون من التراب إنعت لك اللكص منها"،وهي دلالة على الميزان الذي يختبر به الأشخاص بعضهم البعض من خلال الممارسات التي يشهد المجال على أطوارها، حيث أن المجتمع القبلي في الصحراء بفعل قوة ارتباطه بالمجال تاريخيا، اكتسب آليات ظبطه ومعرفة خصائصه من مسالك ودروب وغطاء نباتي ووحيش. وتحضر المرأة بقوة  في تكريس هذه القيم وتمتينها لأنها كانت المرشحة الأولى في الأسرة من خلال توظيف عملية تنشئة الأطفال وهو ما يشهد عليه التاريخ الاجتماعي للمنطقة منذ فترات طويلة ، لدرجة أن الرجال كانوا ينسبون إلى أمهاتهم بدل آبائهم  بفعل تأثيرهن البالغ في عمليات التربية والتكوين ، ناهيك عن دورهن الكبير في بناء الأسر " لخيام لكبارات" ، وبناء الرجال بدليل أن إسم من أسماء النساء هو " أم رجال" كما ساهمت في بناء القيم وإشاعتها، ونشر العلم(10)، متجاوزة بذلك دور المرأة في الغرب التي كانت ترمي بالرضع في الشارع ، حيث أشار جون لوك إلى أن الاتجاه السائد في فرنسا حتى حدود نهاية القرن 17 أن الرجل وزوجته لم يكونا قادرين على أن يتحملا تربية أكثر من ولد واحد (11).هذا في الحالات الدنيا، أما في الحالات القصوى فكانت النساء تقتل أبناءها مباشرة بعد عملية الوضع من خلال إحصاءات وردت  في فرنسا وبريطانيا وألمانيا ودول أوربية أخرى (12).                          

كانت الرواية الشفوية واحدة من أعمدة التراث الثقافي في الصحراء بارتباط مع نمط العيش السائد في المنطقة المعتمد في غالبيته على الترحال ، فهي الخزان الرئيسي لثقافة الناس اليومية التي تتداولها أفواه الرجال والنساء، مما كرس النظرية القائلة بأنه متى كان الترحال كانت الرواية الشفوية ومتى كان الاستقرار كانت الوثيقة، فراجت بذلك مقولة " الناس الا تحت ركاب ول تحت كتاب". وكانت الرواية الشفوية هي قناة التواصل الاستراتيجي التي نسجها مجتمع الصحراء مع جميع القبائل في غرب الصحراء الكبرى والسودان الغربي، فكانت ديمومة الأفكار تؤسس لديمومة الاستراتيجيات وديمومة العمل المادي.

وأثناء تعاملنا مع وثائق دار أهل السالك الأثرية التي تؤرخ للعلاقات التجارية التي نسجتها أسرة أهل السالك التي تنتمي لمدينة لقصابي التاريخية ( تكوست) مع السودان الغربي منذ بداية القرن العشرين، إن الوثائق المعنية هي عبارة عن رسائل كان يوجهها زعيم الأسرة محمد سالم ولد السالك (سلوم) لمجموعة من الاتجاهات سواء في السودان الغربي أو غرب الصحراء أو شمال المغرب، لكن ما أثار انتباهنا هو أن الرسائل الموجهة إلى إسرة أهل السالك في لكصابي كانت تتميز بخاصية مهمة وهي تلك المتمثلة في إلحاح محمد سالم ولد السالك على المشرفين والساهرين على شؤون الأسرة أخواه أحمد ولد السالك والكوري ولد السالك على أن يولوا اهتماما بالغا بتدريس الأبناء والسهر على تحصيلهم المعرفي والعلمي، وكأني بمحمد ولد السالك قد توصل إلى نفس المحصلة التي وصل إليها ابن خلدون وفرناند بروديل فيما بعد، ولو بطريقة لا واعية، بأن هناك رباط وثيق بين التجارة والمعرفة. فمن المعلوم أن الطفرة التجارية في أوربا نهاية العصور الوسطى التي حملت لوئها فئة التجار كان لها الأثر البالغ في ظهور المؤسسات التي تحترف المعرفة كالمراكز والجامعات ، وتبقى للمسلمين القيمة المضافة في هذا الشأن نظرا للتراكم المعرفي الذي خلفوه سواء في العواصم الشرقية ممثلة في دمشق وبغداد أو عواصم الغرب في المغرب والأندلس(13).

إن تواجد محمد سالم ولد السالك في إحدى عواصم السودان الغربي وهي كولخ سمح له بأن يكون على اطلاع قريب على الحركة العلمية المتدفقة التي كانت تعرفها حواضر شنقيط والسودان الغربي وخاصة تنبكت التي عرفت الحركة العلمية فيها ازدهارا كبيرا وغطت كل أشكال الطيف الاجتماعي من أعلى الهرم السياسي ممثلا في الملوك والأمراء والساسة وصولا إلى الناشئة، ولم يستثن العنصر النسوي من المسألة(14).

من خلال هذا النموذج المصغر يتضح أن الشخوص كانت تتحرك وتتخذ قرارات وفق استراتيجيات يتوخى من خلالها النهوض بمنطقة وادي نون والصحراء التي كانت تعاني من ضعفها في ميدان التحصيل المعرفي مقارنة مع حواضر شنقيط و السودان الغربي رغم القوة التجارية التي كانت تتمتع بها المنطقة. وتبقى هذه القضية من أهم الإشكالات التي تطرح أثناء الحديث عن التاريخ الثقافي للمجال الممتد من وادي نون حتى وادي الذهب.

 

 2 ـ  المردودية الاقتصادية للتراث الثقافي المادي الغربي:

بات الاقتناع سائدا بارتفاع المردودية الاقتصادية للتراث الثقافي للشعوب بارتباط مع استراتيجيات التنمية ، بحيث برعت النماذج الغربية في هذا الباب من منطلق وعيها المكتسب من التراكم الحاصل في الدراسات الأكاديمية التي تصب في هذا الباب وما دمنا في إطار الحديث عن التجارب الغربية، نستحضر بعضا منها للإستئناس وتنوير الفاعلين المحليين الذين ليست لهم خبرة في هذا الباب.

سننطلق من النموذج الهولندي في تثمين التراث وتوظيفه في المردودية الاقتصادية. فمن خلال زياراتي المتتالية لهذا البلد منذ سنة 2002 استرعى انتباهي، وأنا أتجول في باحات العاصمة أمستردام في نهاية كل أسبوع، تعدد المتاحف المتخصصة ، وما أثار انتباهي أكثر هو أن هذه المتاحف لا تجسد فقط التراث الثقافي الهولندي بل تتجاوزه إلى التراث الثقافي لمجموعة من الشعوب في العالم ويتعلق الأمر بآسيا وأفريقيا الشمالية والسوداء وأمريكا اللاتينية، بل يكاد ينعدم التراث الثقافي الهولندي اللهم ذلك المتعلق بتاريخ القرصنة عند الهولنديين باعتبار أنهم كانوا قراصنة بامتياز. وباعتبار أن العاصمة الهولندية هي بمثابة محج يومي للسياح من أوربا وخاصة بريطانيا وألمانيا وفرنسا، فإن هذه المتاحف تعرف هؤلاء السياح بثقافة مجموعة من الشعوب التي لا يعرف عنها الأوربيون شيئا ، فتصبح هولندا دولة قراصنة بامتياز حتى في الفترة التي نعيشها الآن وذلك باستثمار ثقافة الشعوب في التنمية الاقتصادية لبلدها عامة وعاصمتها أمستردام خاصة.

التجربة الثانية التي استرعت انتباهي هي التجربة الألمانية التي حاولت ناجحة استثمار التراث الثقافي لبعض الشعوب من خلال ما راكمته في تاريخها القديم ويتعلق الأمر بمصر في عهد الفراعنة ، ثم الإغريق والرومان. فكان الإشكال المطروح لدى المستثمرين هو كيف يمكن استثمار التاريخ كخزان للتراث الثقافي في التنمية الاقتصادية ؟ فكان الجواب أن بادرت إحدى شركات الأحذية الألمانية إلى الدخول في مشروع عملاق جندت له مكتب دراسات جعل نصب عينيه تاريخ الشعوب المذكورة سابقا خاصة ذلك المدون منه في المصادر القديمة سواء على جدران الأهرامات كما هو الحال بالنسبة للمصريين، أو في المصادر المدونة في المخطوطات كما هو الشأن بالنسبة لليونان والرومان، فتم التركيز على مكون  من مكونات المظهر الخارجي للإنسان ويتعلق الأمر بالنعال، وهي خاصية تميز الحضارات القديمة. فكانت النتيجة أن ظهرت منتجات متميزة وجديدة في سوق الأحذية في أوربا فأصبحنا نرى في الأسواق نعال إسبرطة ونعال أثينا ونعال الأقصر في حلة جمالية مثيرة، بعدها انتشرت في العالم. أمام هذه الطفرة الإنتاجية التي جعلت من التراث مطية لها، وحققت بها أرباحا طائلة، أكاد أجزم بأنه لو تمكن أصحاب المشروع من تصفح أعمال الباحثة أوديت دو بيكودو والمتمثلة خاصة في الأشكال التراثية التي يتمتع بها مجتمع البيضان(15)، ونخص بالذكر نعال أهل الصحراء، لكانت حاضرة في الطفرة الإنتاجية السالفة الذكر.

هناك تجربة أخرى لا تخلو من أهمية، ويتعلق الأمر بقرى العصور الوسطى بحيث تم اختيار مجموعة من المناطق خصصت لترويج ثقافة العصور الوسطى من حيث الملبس والنظام الغذائي والهندسة المعمارية وما يتبع ذلك من كافة أشكال الحياة اليومية التي كانت تمارس في قرى العصور الوسطى. فكان المشروع الذي هو واحد من النماذج الناجحة في السياحة التاريخية في ألمانيا. وبدأ الترويج لهذه السياحة التاريخية بواسطة الوكالات السياحية، بحيث من أراد من السياح أن يعيش أسبوعا أو أسبوعين حياة العصور الوسطى بكل حمولاتها المادية والقيمية، فما عليه إلا أن يحجز مكانه بأداء الواجب المادي ليعيش فترة تاريخية كان إلى حدود قريبة يسمع عنها فقط أو يقرأ عنها في الإنتاجيات التاريخية والأدبية الأوربية التي جعلت من مرحلة العصور الوسطى مجال الاشتغال.

كانت المفاجئة أيضا كبيرة  في بريطانيا التي أدلت بدلوها في مسألة تثمين التراث الثقافي ليس فقط الأوربي بل العالمي، ويتعلق الأمر بالهندسة المعمارية التقليدية، حيث نظم في العاصمة لندن الملتقى الدولي الخاص بالبناء الطبيعي  في صيف سنة 2011. وما أثار انتباهي وأنا أتابع الحدث في إحدى القنوات الأجنبية، أن المتسابقة التي فازت قد اشتغلت بملئ يديها في تحضير مكونات ومواد البناء التي ستدخل بها المسابقة . ويتعلق الأمر بمواد البناء وهندسة البناء التي يوظفها مجتمع الواحات(البناء باللوح).

ولم يحد التنين الصيني عن هذا النهج الجديد الذي أصبح يوظف التراث في التنمية من خلال لمسته الخاصة التي اتجهت وجهة نحو التراث الفني التشكيلي الذي يجسد ثقافة الصين وتراثه، وفي هذا السياق وصلت مبيعات الصين من هذه الانتاجات  ما يناهز 62 بليون دولار، متقدمة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وأصبحت بذلك السوق العالمية الأولى لترويج الفن التقليدي الذي يروج للثقافة الصينية المتعددة المشارب والمظاهر من طبيعة ومجتمع ولباس وغيرها، بل تجاوزت ذلك إلى أشكال أخرى من التراث العالمي(16).  

فما موقع مجالنا الصحراوي من هذه الطفرة الثقافية والتراثية المادية من حيث الكم؟ وما موقعها من استراتيجيات التنمية في المنطقة على غرار ما رأيناه في النماذج الغربية التي تم إدراجها ؟

 

3.   تثمين التراث الثقافي المادي للصحراء :

يشهد التاريخ العام  لمجتمع الصحراء الممتد من وادي نون حتى تخوم البحر البارد، على مجموعة من التراكمات المادية التي شهدتها المنطقة إن على مستوى المنشآت أو البنى التحتية. وبما أن المجال الصحراوي ينقسم إلى نصف شمالي عرف عبر تاريخه الطويل، تركزا كبيرا لقبائل متعددة  ومنشآت كبرى تمثلت في المدن التاريخية العريقة ويتعلق الأمر بنول لمطة ( أسرير ) التي بلغت أوجها في عهد الدولة المرابطية وبداية الدولة الموحدية، ثم تكاوست التي شهدت ازدهارا كبيرا في عهد السعديين، وكليميم التي طفت فوق سطح الاحداث التاريخية منذ نهاية القرن السابع عشر. وكانت هذه المدن شاهدة على الزخم التاريخي الذي شهدته المنطقة سواء في علاقتها بشمال المغرب أو بغرب الصحراء والسودان الغربي، أو من خلال دورها الكبير في رسم ملامح التجارة الدولية في الفترة الممتدة من العصور  الوسطى حتى نهاية القرن التاسع عشر. ونستحضر في هذا الباب الأسواق الكبرى التي كانت بمثابة مدخلات ومخرجات هذا الرواج التجاري الدولي، ويتعلق الأمر بأسواق وادي نون ( نول لمطة ـ تكوست ـ كليميم ) وتيندوف وأطار وتنبكتو.

وما دمنا في الحديث عن تثمين التراث المادي ، فمن خلال زياراتنا الميدانية لمواقع هذه المدن خاصة الموجودة في وادي نون، فإن هذه الاخيرة أصبحت أطلالا وأثرا بعد عين. ويمكن القول أن القيمة التاريخية لهذه الحواضر لم تظهر بعد رغم الجهود التي بذلت خاصة تلك المتعلقة بالبحث الأركيولوجي  حول نول لمطة(17) ثم بعدها تكوست (18).

وقد أسفرت الأبحاث الاركيولوجية في تكوست، التي نتوفر على معطياتها ، عن نتائج باهرة من خلال التحف والأشياء التي تم العثور عليها في محيط المدينة التاريخية، ثم من خلال التحليلات الأولية التي أشرفت عليها جامعة فلوريدا. وفي انتظارالمرحلة الثانية من التنقيبات الاركيولوجية ، وفي أفق هيكلة متحف دار أهل السالك الأثرية بلقصابي تكوست .

يتم السعي إلى جعل المنطقة قبلة للسياحة التاريخية والثقافية. فكان لزاما على جميع السلطات المعنية أن تتحمل مسؤوليتها في هذا الورش التراثي والثقافي من مجالس جماعية ومديريات و مندوبيات الثقافة ومصالح وزارة الداخلية من أجهزة الأمن والدرك والمشيخات  لمراقبة المواقع التاريخية وحمايتها من عبث العابثين، ثم أخيرا مؤسسات المجتمع المدني.

يحيلنا الحديث عن المدن التاريخية وقيمتها الرمزية إلى الحديث عن مؤسسات مرتبطة بها بشكل مباشر، ويتعلق الأمر بالمتاحف. بشقيها المفتوح والمغلق . فالمدن التاريخية القديمة هي متاحف مفتوحة يفترض وضعها في مصاف المنشآت الحيوية  وحمايتها من طرف السلطات المختصة ويتعلق الأمر بمدن نول لمطة وتكوست ناهيك عن بعض المواقع في مدينة كليميم خاصة موقع أكويدير. هناك نوع آخر من المتاحف المفتوحة ذات خصوصية متميزة ويتعلق الامر بالمواقع التاريخية التي تعود إلى فترة ماقبل التاريخ والتي تتوفر على بقايا النقوش الصخرية التي تعود إلى الفترة المذكورة في كل من المناطق الشرقية من إقليم اسا الزاك ، ومنطقة العصلي بوكرش في إقليم السمارة والمناطق الاخرى المحيطة بها. فإذا كانت الشواهد المدونة والمسطورة غائبة ، فإن يد الانسان القديم لم تكن مشلولة، بل كانت متحركة وكانت تبدع وفق الإمكانات التي أتاحها المجال وتبعا لمخيلة الإنسان حيث ظهرت مجموعة من النقوش الصخرية التي لازالت تشهد على زخم التجربة التي خاضها إنسان الصحراء في مجاله القديم الذي كان غنيا وخصبا وعامرا.إن هذه النقوش الصخرية هي عبارة عن خطابات رمزية كانت محصلة العلاقة بين الإنسان ومجاله الطبيعي الذي كان يعيش فيه رفقة كائنات حية (  حيوانات ،ظواهر طبيعية وغيرها ). إضافة إلى النقوش الصخرية ، هناك مجموعة من الأدوات التي تؤرخ للممارسات اليومية لإنسان المنطقة في صراعه مع أخيه الانسان ، إو مع الحيوانات التي تقتسم معه العيش وسط هذا المجال. من هذا المنطلق وجب الاهتمام بهذه المواقع التاريخية وذلك ب:

      -   تكثيف الابحاث الاركيولوجية في المناطق التي لازالت مغمورة .

      -   حماية هذه المواقع وجعلها محميات تاريخية.

      -   إحداث قوانين صارمة ضد تهريب التحف الأثرية.

      -   إدماج مؤسسات المجتمع المدني التي تهتم بهذا الميدان ودعمها وطنيا ودوليا .

      -  تعريف الناشئة في المؤسسات التعليمية بهذا التراث من خلال مشروع  منهاج جهوي محلي تشرف عليه أكاديمية التربية.

  أما المتاحف المغلقة فيمكن الحديث عن التجربة الاولى في الجنوب في قرية تيغمرت التابعة لجماعة أسرير شرق إقليم كليميم الذي حاول صاحبه أن يستجمع العديد من التحف المختلفة معدنية وجلدية وخشبية وحلي ولباس ، مستفيدا من جولاته في ربوع الصحراء التي  كلفته الكثير من الجهد والمال. تأتي بعد ذلك تجربة متحف تكوست الذي اتخذ مقرا له دار أهل السالك الاثرية لما لذلك من دلالة رمزية  تحتلها هذه الدار التي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر. ويتوفر المتحف على مجموعة من الاروقة الموضوعاتية وأهم رواق فيه هو رواق الوثائق التاريخية التي تمتلكها أسرة أهل السالك المشهورة بعلاقاتها التجارية مع غرب الصحراء والسودان الغربي، ثم الوثائق التي توجد في حوزة الاسر المشهورة في لقصابي تكوست. يلي ذلك رواق خاص بالتحف المختلفة التي شكلت في فترات تاريخية قديمة أساس الحياة اليومية. وتم تخصيص رواق آخر للباس والحلي الذي يبرز التفاوت العمري (الأطفال/ الفتيات ،الشباب/ الشابات ، الشيوخ/ العجائز ). ويتوفر المتحف على خزانة كتب تتم الاستفادة منها من طرف تلاميذ وتلميذات المؤسسات التعليمية بالمنطقة. وبما ان كليميم لعبت دورا كبيرا في التجارة القفلية مع غرب الصحراء والسودان الغربي ، فإن سوق كليميم الذي كان من أشهر أسواق الإبل في غرب الصحراء إلى جانب سوق تيندوف ،من هنا فإن الضرورة جد ملحة لإنشاء متحف خاص بالإبل يضم كل متعلقات الإبل بداية من مكوناته العضوية ومرورا بدوره الكبير في نشاط الحركة القبلية والتجارية ( سفينة الصحراء ).

كما أن الطرق التجارية التي كانت تربط بين وادي نون وغرب الصحراء والسودان الغربي وجب العمل على إبرازها  وتبيان وجهاتها في مرحلة أولى ، سواء تعلق الامر بالطريق الغربية ( طريك اللمتوني ) أو الطريق الشرقية، وتثمينها في مرحلة ثانية من خلال إحياء رحلات فوق الإبل تتجه من وادي نون نحو عواصم غرب الصحراء والسودان الغربي. ليست على شاكلة الرحلات التاريخية ، ولكن رحلات  منظمة يطغى عليها طابع السياحة التاريخية والثقافية، في تنسيق تام مع الدول المعنية ويتعلق الأمر بموريتانيا والسنغال ومالي والجزائر.

وبما أن الصحراء تتميز بنمط عيش يعتمد بالدرجة الأولى على الترحال وما يتبع ذلك من حمولات قيمية وأفكار وتصورات، فإن الضرورة أصبحت ملحة لخلق نوع من السياحة تعتمد الترحال وتتقمص كافة أشكال الحياة المرتبطة به من مركب وملبس ومسكن ومأكل وغيرها من مكونات حياة البداوة لما لذلك من تأثيرات نفسية وفكرية على الناشئة خصوصا، ومن هنا يمكن استثمارالتراكمات الحاصلة في الإنتاجات الأكاديمية ونخص بالذكر إنتاجات أوديت دو بيكودو التي أوردت رسومات عن ملامح حياة البداوة (النعال،اللباس، السكن،المصنوعات المعدنية،الأناقة النسوية ممثلة في الحلي والظفائر)

 

4.   تثمين التراث الثقافي غيرالمادي :

من خلال استقرائنا لمجموعة من الوثائق خلصنا إلى أن التراث الثقافي اللامادي هوالتراث المتداول بين مكونات المجتمعات التقليدية عبرالعلاقة بين الكبار والصغار فيما يخص المعارف التي تنتقل في الزمان والمكان مثل الطقوس الاجتماعية والدينية باستعمال الوسائط اللغوية والرمزية، وعمليات التطوير التي تتم من الداخل عبر الأجيال التي تتعامل مع عواملها الطبيعية والاجتماعية (19) . وفي السياق ذاته نورد تعريفا  صدر عن منظمة اليونسكو مفاده أن التراث الثقافي غير المادي هو " الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع و مصنوعات وأماكن ثقافية التي تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحيانا الأفراد جزءا من تراثها الثقافي . وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها " (20).

وإذا كان الغرب قد استوعب جليا قيمة  الأفكار والقيم الكبرى كتراث غير مادي، فإنه يقتفي بذلك آثار حكمائه ونخص منهم على سبيل المثال لا الحصر أب الفلاسفة افلاطون الذي ترك مقولة خالدة مفادها أن الأفكار الكبرى تدوم (21)  حيث يتم استيعابها ثم بلورتها في أشكال جديدة The great ideas endure

وبأدوار جديدة  فتبقى حية لا تموت، ثم تصبح بذلك كنوزا بشرية يتم تثمينها وإعادة رأسملتها، وإظهارها كمقوم من مقومات التنمية، وهو ما يلاحظ حاليا في الغرب.

إن المجموعات البشرية ليس فقط في مجالنا الصحراوي بل في المناطق المختلفة من العالم كانت تنتج أفكارا وتمثلات و قيما متماثلة في معانيها ناتجة عن عصارة الاحتكاك والتدافع بين الأفراد والجماعات ثم بين الانسان والمجال المحيط به.

وإذا كانت ضرورات الحياة حتمت على إنسان الصحراء، عبر تاريخه الطويل، ان يسعى في تحقيق أهدافه الكبرى والاستراتيجية أن يتوخى التدرج وأن ينطلق مما هو أبسط إلى ما هو أعقد وذلك في استحضار للبعد الزمني، حيث نستحضر في هذا المجال مقولتان الأولى تقول " زواز ليلة تدبير عام " مستحضرين في هذا الباب أن التاريخ والعلاقات الاجتماعية والعلاقة مع المجال علمت إنسان الصحراء عبر مراسه التجاري مثلا في العلاقات التجارية مع السودان الغربي كان يخطط لجلب الثروة كهدف استراتيجي لكن الوصول إلى تحقيقه يتطلب سنوات من الجهد والمثابرة ومواجهة الإكراهات المتعددة. وينطلق من أشياء صغيرة ليحقق أشياء كبيرة ومن خالف هذا المنحى فإنه فاشل لامحالة  " ال ما عدل من شوي ما يعدل من ياسر". ونلاحظ أن هذه الفكرة  سائدة في الغرب وتؤسس لطرق واستراتيجيات العمل عند الانسان الغربي :

From little things big things grow

وأثبتت التجارب العملية في الغرب  جدوائية هذه المقولة في تطوير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، مما يستدعي إعادة إحياءها بمنهجيات جديدة وبطرق مختلفة لتحقيق الهدف وتكريسها لدى الناشئة إما من طرف الأسر في مرحلة أولى و من خلال برامج ومناهج التدريس في مرحلة ثانية.

وإذا ما عدنا إلى وقع التاريخ والجغرافيا على تحركات إنسان الصحراء وتجواله في مجالات قدرت بآلاف الكيلومترات الممتدة من وادي نون حتى تخوم اندر( سان لوي) أو تنبكت ولفترات امتدت عدة قرون من الفترة الوسيطية إلى الفترة الراهنة، حيث لم تكن خرائط جوية ولم تكن أجهزة التواصل بل كان هناك سلاح رمزي كبير تم توظيفه لمواجهة التحدي مفاده " ال بلسان ما يذهب " وستوظف هذه المقولة لبلوغ المعرفة بالأشخاص والمجالات والمعارف والرموز وأشياء أخرى. وقد قابلها في الغرب المقولة الرائجة :                                                           

The cure of ignorance is question وبارتباط دائما مع المجال من منطلق الجبرية التي فرضتها الجغرافية على مجتمع الصحراء فإن الوعي الجمعي اختزن الكثير من المقولات التي حاول من خلالها أن أن يسطر الملامح العامة للهندسة الاجتماعية  من خلال توظيف مجموعة من المعايير التي تساعد على معرفة الأشخاص في مرحلة أولى لتحديد نوعية التعامل معهم في مرحلة ثانية حيث ترد مقولة " الدون من التراب إنعت اللكص منها " يقابله في الغرب مقولة مطابقة في معناها مع اختلاف طبيعة الوسط الجغرافي والبشري:

Whether the fruit be better or whether is the sweet, the first bite tells .

وفي السياق نفسه شهدت العلاقات التجارية بين المجموعات القبلية في الأسواق المنتشرة في غرب الصحراء والسودان الغربي مجموعة من الممارسات المتعلقة بالبيوع وتبادل السلع التي كانت تتم في غالبيتها عبر الالتزام شفويا في مجموعة من العمليات " الكلمة " فترد بذلك مقولة  " كلمة الراجل نتيجتو" ، وقد شهدت أمكاكير غرب الصحراء والسودان الغربي على  تفاصيل هذه العمليات ، بل وشهدت مجموعة من الوثائق التاريخية الموجودة في حوزتنا على صحة هذه العمليات سواء في وادي نون أو في تيندوف أو في تنبكت أو في كولخ.  و يقابل ذلك في مخزونات  ثقافة الإنسان الغربي :

On prend les bêtes par les cornes, et les hommes par les paroles

إن المتتبع للتاريخ العام لمجتمع الصحراء يقف عند مجموعة من الحقائق الاجتماعية التي تراكمت عبر الزمن مخلفة لنا تراثا زخما حول فلسفة العمل الجماعي الذي كرسته الجغرافيا وكرسه التاريخ ، حيث كانت أزولاي ( قوافل الإبل) التي كانت تربط بين وادي نون والسودان الغربي تصل حمولاتها إلى آلاف الأطنان ، ولا غرابة إذا ما علمنا أن أعداد الإبل التي تشكل أساس هذه القوافل تتراوح مابين عشرة آلاف وثلاثين ألفا من الإبل(22) مما ساعد على وجود عمليات اختلاط كبرى في غرب الصحراء والسودان الغربي نتج عنها تبادل المنافع والألسن والأفكار والتصورات(23). من خلال هذه التراكمات المادية ، ترسخ في وعي المجموعات القبلية أن لا مجال للاشتغال وفق ثقافة الفرد (استفادة الأمريكان)، بل الإتقان والمردودية في العمل كانت هي السبيل لتحقيق الأهداف الإستراتيجية من منطلق المقولة المشهورة  "  حمل الجماعة ريش " . وقد برهن التاريخ أن هذه الفكرة تدخل في دائرة الأفكار الكبرى التي تم الحديث عنها سابقا لا لشيء إلا لأنها لازالت تثبت جدوائيتها حتى أيامنا هذه لكن بطرق أخرى وبآليات متجددة خاصة في الغرب ، ذلك أن المؤسسات الكبرى التي تدير دوالب المنظومات الاقتصادية تحارب الاشتغال بثقافة الفرد وتكرس الاشتغال بثقافة الفريق الذي أثبت فعاليته في توفر القيادة الفاعلة والتخطيط الممنهج وتوزيع الأدوار واختصار الجهد والوقت، وهي نفسها الفكرة التي كان يشتغل بها الأوائل، لكن الغرب طور أساليب الاشتغال بها واستثمارها بشكل أمثل.

لم يكن مجتمع الصحراء يتحرك في مجالاته الحيوية بطرق اعتباطية، بل كان  يبتكر استراتيجيات تؤهله للرفع من المردودية ومواجهة كل الاحتمالات الطارئة، بحيث كان يخطط لكل مشاريعه المرتبطة سواء بالهندسة المعمارية أو بالنشاط الاقتصادي بشقيه الفلاحي والتجاري فسادت المقولتان  ذات المبنى العميق الأولى مفادها " زواز ليل تدبيرو عام" والثانية  " يالت أمنادم إخرص بعيد"، وهو ما يقابله

في الغرب في أيامنا الراهنة النظرة الإستراتيجية سواء في التصورات أو المشاريع الكبرى التي يخطط لها أن تدوم ما بين  50 إلى 100 سنة.

وأحيط بعد الرؤيا بالحنكة والدقة في وضع الاستراتيجيات من منطلق المقولة الرائجة " أعكد منين يسو تعكد " والتي وردت للإشارة في وصية ولد هدار لابنه  المرفوفة في خزانة التراث الأدبي الحساني . ومما استرعى انتباهنا أنه أثناء مطالعاتنا لإحدى المراجع الأجنبية وجدنا روح المقولة أعلاه في الحديث عن التدبير الاستراتيجي للموارد البشرية في الغرب مبناها كالآتي:  

« It is an aggressive strategy designed to tighten the belt  »(24).

وانطلاقا مما ورد تبين أن فئة التجار التي كانت تجوب أسواق غرب الصحراء كانت على علم وثيق بحاجيات كل سوق على حدى. فأسواق وادي نون تحتاج إلى السلع القادمة من السودان الغربي مثل التبر والصمغ والعاج  والعبيد(25)، وتحتاج إلى سلعة غرب الصحراء الممثلة في الإبل، في حين كانت تحتاج أسواق غرب الصحراء والسودان الغربي إلى " المير " والملح والمنتجات الاوربية. فكانت استراتيجية ضبط الأسواق حاضرة بحدة ، وهي الاستراتيجية التي أصبح الغرب ينهجها في الترويج لبضائعه  من خلال المقولة التالية :

“If you want to successfully export industrial goods, you have to start with collecting information about the markets you want to enter “(26).

من بين المقولات الأساسية التي خلفها الرعيل الأول من بدو الصحراء هو قيمة التجارب التي تتراكم عندهم بارتباط مع كافة أشكال الحياة اليومية سواء تعلق الأمر بالوسط الأسري أو الوسط الاجتماعي أو الأنشطة الحيوية من تجارة وكسب وتدافع، فينطق لسان الوعي الجمعي بما نصه: " إشوف الشيبان لتاك ماشاف أفكراش لواكف" تتضمن هذه المقولة حمولة قيمية بالغة الأهمية  حول تجربة الكبار التي هي بمثابة مشعل ينير طريق الشباب في مشوار الحياة الخاصة والعملية، وخارطة طريق توصل إلى الأهداف الإجرائية والاستراتيجية .

 

        تخريـــــــــج عـــــــــام:

وإذا كانت مدرسة الحوليات قد سطرت نظرة جديدة تنبني على إعطاء الأولوية لحقول جديدة في التأريخ للمجتمعات ، فإنها أدركت القيمة اللامتناهية للأفكار والقيم التي ينتجها الوعي الجمعي ودورها المتميز في رسم ملامح التاريخ العام للمجتمعات  فقد جعلت نصب عينيها تاريخ العقليات الذي يرتكز على دراسة الأفكار وأنواع السلوك في إطار الشروط الاجتماعية التي تظهر فيها وتجعلها ممكنة (27). من هنا

وجب علينا كمهتمين بالتاريخ العام لمجتمع الصحراء أن نولي اهتماما منقطع النظيرللتأريخ للزخم القيمي والأفكار والتمثلات التي أنتجتها الشرائح القبلية وإعادة بنائها ووضعها في قوالب جديدة يتم استثمارها ورأسملتها،من منطلق التوجه الفكري  كما الرائج حاليا في الغرب والمبني على شعار ( الرجوع إلى الجذور) ممثلة في حياة البداوة بجميع مكوناتها المختلفة ( الزرع والصوف) (حليب الإبل) إلخ.

وإذا كان التراث الثقافي بشقيه المادي وغير المادي هو جزء من تاريخ ليس فقط المجتمع الحساني بل كل المجتمعات، فإن الاهتمام به ليس من قبيل تحقيق الفضول حول ما جرى وما وقع للإنسانية بل يتجاوز هذا الأمر إلى أعمق من ذلك ، فهذا أحد الباحثين الغربيين  وهوجون طوش   في مشروعه المنهجي  حرفة التاريخ"(28)

يشير إلى أن " الفضول الفكري حول الماضي هو بالتأكيد واحد من أهم الأسباب التي تقود الناس إلى قراءة التاريخ ، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد ، بل إن المجتمع يتوقع تأويلا لهذا الماضي الذي يفيد الحاضر ويكون قاعدة لتشكيل القرارات التي يمكن أن تشكل في المستقبل " (29).

بناء على روح هذه المقولة يتبين أن الاهتمام بالتاريخ المادي للصحراء، وتاريخ الأفكار والقيم هو مدعاة للتقويم في مرحلة أولى، ثم التثمين في مرحلة ثانية، ثم الاستثمار في مرحلة أخيرة وهذا لعمري هو مسعانا من هذه المداخلة .

 

عمرناجيه

 



(1) طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، د.ت، بيروت، ص 9.

(2) آدم كوبر، الثقافة التفسير الانتروبولوجي، ترجمة تراجي فتحي، سلسلة عالم المعرفة، مارس 2008، ص28.

(3)زياد الزغبي، من الصفر إلى الشيفرة: المثاقفة وتحولات المصطلح النقدي، عالم الفكر، ع1، مجلد 36،شتنبر 2007، ص 255.

(4)طه عبد الرحمان، مرجع سابق، ص  89.

(5)المقصود بالبحر البارد هو نهر السنغال في تمييز له عن البحر المالح الذي هو المحيط الأطلنتي.

(6)يرجى الاطلاع على مقالنا :الإبل في التاريخ العام لمجتمع غرب الصحراء، أبحاث ودراسات حول الصحراء، الطبعة الأولى، دار النشر طوب بريس، الرباط ، 2009

7)عبد الرحمان محمد ميغا ، الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن 8 إلى القرن 13 الهجري،     منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية ـ المملكة المغربية ، 1432هـ / 2011 م، ص 115.

8)إبراهيم الكوني، ميفستوفل، دبي الثقافية ، عدد 56 ، 2010.

9)يرجى الاطلاع على مقالنا: آليات المثاقفة في الصحراء ، مجلة درعة، ع 16، إصدار جمعية النخيل للثقافة والفن والتربية بكلميم، مطبعة طوب بريس ، الرباط ، 2009

(10)تم الحديث عن هذه التجربة التي تميزت بها نساء الصحراء في مقال بعنوان "نساء عالمات من الصحراء" لم ينشر بعد

)11(Hugh Cunningham, Childeren and childhood in western society since 1500,Studies in modern history, Longman, London and New York, 1995,p112.

)12(FIA DIETEREN & ELS KLOEK , Writing women into history , AMSTERDAMSE HISTORISCHE REEKS 17, HISTORICH SEMINARIUM VAN DE UNIVERSITEIT VAN AMSTERDAM, 1990, pp 82,83,93.

13)توجد  نماذج من هذه الوثائق  معروضة في متحف دار أهل السالك الأثرية في جماعة لقصابي تكوست بكليميم.

(14)عبد الرحمان محمد ميغا، مرجع سابق ، ص 29.

)15(Odette du Puigaudeau, Arts et coutumes des Maures, édition Le fennec, Casa , 2009 .p 160 .

)16(Inside story in Al jazeera channel, 27/ 05/ 2013.

(17)بدأت أشغال الحفريات في نول لمطة  سنة 1995 بواسطة فربق البحث المغربي الاسباني

(18)لعبت جمعية تكوست للتنمية دورا كبيرا في الإسراع  بالحفريات في محيط تكوست بفعل الاتصالات التي ربطتها مع وزارة الثقافة ومعهد الآثار من جهة ومع فريق البحث الأركيولوجي ، والتي ترتب عنها بداية أشغال الحفريات في مارس 2012.

(19)ميشيل توماسيللو، الثقافة والمعرفة البشرية ، سلسلة عالم المعرفة، عدد 328 ، الكويت ، 2006، ص 192.

(20 )اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية التراث الثقافي غير المادي ، باريس 18 أكتوبر 2003.

)21(EUGENE FREEMAN& DAVID APPEL , The Wisdom and Ideas of PLATO, second premier printing , New York, November 1950, p xi.

(22)  عمر ناجيه، الإبل في التاريخ العام لمجتمع غرب الصحراء، أبحاث ودراسات حول الصحراء، الطبعة الأولى، دار النشر طوب بريس، الرباط ، 2009 ، ص 22.

)23(2  C.T.Cheikh,  Mixité linguistique dans l’histoire de l’arabe ouest saharien ,p7

 

)24(Charles Fombrun. Noel M. Tichy, Mary Anne Devanna, Strategic Human Resource Management, library of cataloging in publication data, USA, 1984, p 11.

(25)عمر ناجيه ، الإبل في التاريخ العام لمجتمع غرب الصحراء، ص 22.

)26(Janny Groen , Eefke Smit , Juurd Eijsvoogel , The Discipline of Curiosoty science in the world,Elsvier science publishers, printed in the Netherlands, 1990, p 138

27)  عبد الرزاق الداوي، الجينيالوجيا وكتابة الأفكار، مجلة فكر ونقد، السنة 3 ، ع 30 ، يونيه 2000، ص15.

)28(JHON TOSH , THE PURSUIT OF HISTORY Aims, methods and new directions in the study of modern history , 2nd edition ,British library cataloging-In- Publication  Data, LONDON, UK, 1991.

)29 (IBID, p 27.