البحث في الموقع

جدلية العلم والتربية والعمران في الصحراء من خلال السلالة الوِهْدويَّة

 سنقف في هذه المقالة على مظاهر ارتباط العلم والصلاح بالحركة العمرانية في الصحراء، وهذه العلاقة الجدلية سنبرز من خلالها كيف يتفاعل عنصرا البناء والتربية، أو إن شئت الدين والتمدين  في تشكيل العمران بالصحراء، ممثلين لهذا المعطى بأحد رجالات الصحراء، وهو الشيخ يعزى وِهدى دفين زاويته بأسا، مرورا بأهم رجالات أسرته وسلالته المباركة التي انتشرت عبر ربوع هذه المناطق مشكلة بذلك حزاما من مراكز علمية وزوايا ورباطات انطلقت تاريخيا منذ بدايات القرن الثامن الهجري، وتجاوزت جغرافيا ما بين جبلي باني وواركزيز،لتنتشر في شتى مناطق الصحراء والجنوب المغربي، مشخصة بذلك أيضا قيم التدين المغربي علما وتربية وعمرانا.

1.   لمحة عن الشيخ اعزى وهدى ومظاهر العلم والصلاح في حياته :

         لقد عاش الشيخ اعزى وهدى في نهاية عهد الموحدين وبداية دولة بني مرين، إذ أن كتب التاريخ تشير إلى أنه  ولد سنة 646هـ/ 1248م، وتوفي 726ه أي انه عاش حوالي اثنين و ثمانين سنة.

وعرفت حياة الشيخ منذ النشأة رسوخا علميا وروحيا كان للجدة من جهة الأم دورٌ بارز فيه إذ تحكي الوثيقة الأولى التي ساقها المعسول كلامَ الشيخ عن نفسه قائلا: كانت تعلمني الطهارة والصلاة وتدلني على تقوى الله وتلقنني ذكرَ سهل بن عبد الله إذ قيل له قل في صباحِ كل يوم ومسائِه : الله معي الله حافظي الله شاهدي الله ناظري إلي"[1]، وهذا مظهر  يبرز مركزية المرأة في هذه المناطق على الصعيد العلمي والتربوي.

وقد ظهر ت فيه آثار النبوغ العلمي مبكرا إذ لازم الكُتَّاب منذ سن الخامسة، ولم يكن يجد عجزا في حفظ لوحته ولا نفورا من التلقي، بل كان على نباهة وعلم وتمكن، يدل على ذلك مزاولة العلوم كالفقه واللغة والتصوف وغيرها، وقد نسبت له الوثيقة الأولى بيتين شعريين يبرزان مجد أسرته العلمي والتاريخي :

نحن الكواكب في الظلام الحِنْدِس            حيث انتهينا ثم صدر المجلس

إن يذهــب الدهر الخـــؤون بِوَفْرِنـا         عـــــــنَّا فَلَم يَذْهب بعزّ الأنفس[2]

 

ويظهر من الوثيقة الأولى، وكذا الثانيةِ المنسوبةِ للعلامة الكبير محمد بن سعيد المرغيتي أن الشيخ يعزى وهدى جمع بين العلم والصلاح ومن صفات الكرم والشجاعة والتواضع ما أهله لبلوغ شأن عظيم في الدعوة إلىى الله وإرشاد الناس وتوجيههم للحق، "فكان منتجع الضعيف الطالب، وُميَسّرا به رجوع العاسف الهارب، وأجرى الله عليه إحسانه المعهود ومد عليه سُرادق ظله الممدود"[3].

وخلاصة ما يخرج به الناظر  في الوثيقة المسماة "سبيل الهدى في مناقب ايت اعزى وهدى" المنسوبة للعلامة المرغيتي، وغيرها مما ذكرَهُ المختار السوسي في (معسوله) و (خلال جزولة) و(سوس العالمة)، وكذا دراسات كل من الباحثتين ماريون سينون  senones marionودي بوِيكودوdu puigaudau وكذا مدونة فانسان مونتايmonteil vincent  [4]، أن الشيخ يعزى وِهدى شخصية جمعت بين العلم والتصوف وتيسير العيش على سكان بلد أسا وذلك عبر تنزيل قيم التوحيد والتزكية والعمران في زاويته قبل إشاعتها في محيطه الكبير .

فبالإضافة إلى المرحلة الزمنية التي عاش فيها الشيخ يعزى وهدى ( 646هـ و 726هـ )، والتي عرفت النشوء العمراني الأساس والمتمثل في قصر أسا، وزاويته، هناك مرحلة أولاده وأحفاده الذين عاشوا على التقريب في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع، ثم المتأخرين عنهم في القرن العاشر. فقد انتشر العمران وتكون عبر السلالات المباركة من أولاده وأحفاده وإخوانه من علماء وصلحاء ورؤساء؛ حيث أحصى منهم العلامة السوسي خمسا وستين عَلَما انتشروا في سوس الأقصى وواد نون والصحراء، فأسسوا المراكز وبنوا المدارس العلمية والزوايا وشكلوا القرى وساهموا في تأسيس العمران وانتشار العلم.

2.  انعكاس العلم والصلاح على المشهد العمراني لآسا واماكن انتشار السلالة الوهدوية وتلاميذهم :

        إن الكلام عن علاقة الشيخ اعزى وهدى بالحركة العمرانية في أسا ومن ثم دور السلالة الوهدوية في تشكيل هذا المشهد العمراني بالصحراء والجنوب المغربي، ينطلق من معطى تاريخي يتمثل أولا في وجود قصر  أسا فوق المرتفع الجبلي مشكلا بذلك النواة الأولى للحاضرة  ثم بتأسيس الزاوية داخل الواحة وهو أمرٌ مهد - من جهة - لتجمع سكاني للمريدين والطلبة الذين توافدوا عليه من مختلف الجهات إلى جانب أسرة الشيخ في قصبة تدعى "الخربة"، ومن جهة أخرى لإضفاء صبغة روحية على النسق المعماري الأول، وهو ما جعل كثيرا من الدارسين والمستكشفين يتحدثون عن تاريخ روحي للمكان والعمران على غرار تاريخ الأفكار وتاريخ الاقتصاد .

فبتأسيس الزاوية والقصبة وما استتبع ذلك من شروط الاستقرار الأمنية توسعت الحاضرة إلى خارج القصر وخلقت دينامية عمرانية واكبت الحركة العلمية والروحية التي اضطلع بها الشيخ اعزى وهدى في حياته. وعلى الرغم من قلة المادة العلمية التي لا تسعف في توصيف هذه الحركة إلا أن انتشار قبور الوِهدويين بكثرة هناك في أسا وحول الزاوية يبقى مؤشرا قويا على اتساع التلقين العلمي والروحي للشيخ يعزى وهدى في حياته. وهذه : المظاهر العمرانية تدل  - حسب الدراسة الواقعية والاركيولوجية التي قدمها عبد الحق المجيدي وعبد العزيز اهراس - على الحس الهندسي العبقري لسكان القصر خاصة فئة المعلمين بحكم تميز تقنيات العمارة وتنوع مواد بنائها وتأقلمها مع الوسط الطبيعي الصعب، وهي شواهد وأدلة مادية تدل على عمق تاريخ المنطقة وإشعاعها الثقافي والروحي حيث يتجلى ذلك في كثرة الأضرحة والمزارات والمساجد، وهي ظاهرة تنم عن دور العامل الديني في توجيه سلوكيات مجتمع آسا، ولتسهيل الوصول إلى هذه المراكز الروحية تم تصميم وتخطيط مسالكِ أزقةِ ودروبِ القصر بالشكل التراكزي لتسهيل الوصول إليها. ونشير إلى أن التشبث بالدين كان حاضرا في وجدان الإنسان المحلي بقوة قبل أن يجسده فيما هو مادي ممثلا في العمران المادي"[5]

إلا أن أوج الحركة العلمية والتي رافقتها هذه الدينامية العمرانية كان مع أبناء الشيخ وأحفاده وتلاميذه الذين تفرقوا شذر مذر عبر ربوع الصحراء وسوس الأقصى فشكلوا مراكز  علمية وبُنىً معمارية حافظت على السمت الروحي والعمراني للوهدوِيين، لا أدل على ذلك من أن الأسرة على حد تعبير المختار السوسي " كما زخرت بالعلماء زخرت بالرؤساء، وهم كثيرون من علماء وصلحاء ورؤساء " .  ونذكر في هذه الورقة بعضا ممن شيَّدوا أو شُيدت حولهم مشاهد عمرانية في تواصلهم العلمي أو الروحي :

فمنهم عبد الكريم بن يعزى ويهدى من قبيلة تاغجيجت بنواحي كلميم، وحوله مدرسة علمية قديمة[6].

ومنهم أحمد بن صالح بن يعزى ويهدى في مراكش قال المختار السوسي: "ومحمد بن صالح الذي عليه مشهد ومسجد في مراكش، المجهول التاريخ لولا أنه يسمى محمدا لقلنا انه هو، وقد بنا منار مسجده في أواسط عهد المرينيين أو أن هذا الكتاب غلط فيه وسماه أحمد والله أعلم"[7] .

ومنهم إبراهيم ابو السحاب في هشتوكة الذي بنيت إزاءه المدرسة العلمية التي عمرها آل تاوريرت وانو إلى الزمن القريب في (أدا كاران)[8]

ومنهم سعيد بن احمد في (تيركت) من (انداوزال)، وهو معروف، وحوله مدرسة علمية قديمة[9].

و محمد بن صالح أبو صالح دفين (تيسْفْرِوِينْ)، علامة جليل مدرس لا تزال آثار مدرسته وزاويته إلى الآن[10].

سيدي أبي صالح من ايت يعزى وهدى البكريين المشهورين ويقال انه من رؤسائهم، عليه ضريح وقبة، وحول المكان قبيلة وادي ايت منصور وكانت قبيلة مباركة يكثر فيهم حفظة الفرآن وحملة العلم وأولعوا بالصلاة على النبي ويحصل لهم وجد عظيم[11].

ومنهم ابو عبد الله الهماني المسمى الآن (سيدي بوعبدلي) بنواحي تيزنيت، و عليه مشهد ومدرسة علمية قديمة قائمة وموسم تجاري كبير سنوي وهو من أهل القرن السابع[12].

ومنهم سيدي محمد بن مبارك اولموش التاغجيجتي نحو 1307/1349ه، من فخد تسمى أيت تيكا من قبيلة أيت اوسا، ويقطنون في زاوية ايت اوسا.  وقد مر في هذه الفخد علماء كثر[13] .

ومنهم العلامة الكبير  الشيخ محمد بن سعيد المَرْغِيتي الذي ترجم له الافْرَاني في "صفوة من انتشر"[14] . وله تنسب وثيقة " الوهداويون"، التي ذكر المختار السوسي في سوس العالمة أن المرغيتي انتسخها من عند الوهداويين القاطنين في ادبنيران بمجاط تتبع فيها كل آل اعزى وهدى وفيها أن المرغيتي نفسه منهم"[15] .

وغير هؤلاء من أهل القرن العاشر وما بعده منتشرون في "أسا" و "مجاط" و "الأخصاص" و "أَكَالْ مْلُّولْنْ و "إدَوْتَنَانْ" و أَيْت صْوَاب" و "بونعمان"، ومن إخوانه أسرة الشيخ محمد بن عمرو الاسريري دفين قرية أسرير قرب كلميم .

يتبين من تتبع هذه الأسرة منذ نشأتها يؤكد حقيقة ارتباط والتئام الحركة العلمية والفكرية في الصحراء والجنوب المغربي ممثلة في انتشار سلاسل الصلاح والعلم في مختلف ربوعها مع حركة العمران والتمدين وهو ما يعطي إشارة قوية على مقصدية هذا العمران ووِجهَته ممثلة في ترسيخ قيم الأمن الروحي وتثبيت أخلاق العلم والعمل وتوسيع آفاق الجمال الإنساني في العمران. فالسلالة الوهدوية إذن جسدت التلاحم الكامن في تاريخ المغرب بين العلم والتربية والعمران، أفرز هذا التلاحم ما يمكن أن ننعته بقيم العمران الروحي الذي تأثر وأثر في أهل الصحراء وسكانها خالقا بذلك خصوصية مجالية ووجدانية جعلت البحاثة والمستكشفين الغربيين والمستشرقين والاثنوغرافيين الذين اعتنوا بتاريخ أسا وحاضرها يندهشون أمام الروح اللطيفة الكامنة في حجارة العمران الكثيفة .            

 

 

الباحث وديع اكونين

 


 

المصادر :

  •  معلمة المغرب الجزء 26 ط1/2014. دار الامان المغرب
  •  المختار السوسي  : 
    • سوس العالمة ط 1/2014 دار الكتب العلمية
    • المعسول ط 1/2014 دار الكتب العلمية
    • من أفواه الرجال ط 1/2015 دار الكتب العلمية
    • خلال جزولة  ط1/2015 دار الكتب العلمية
  •  هيبتن الحيرش _ حمادي هباد: أسا ديوان الصالحين
  •  بوزيد الغلى زاوية أسا جدل التاريخ والأسطورة . منشورات المجلس العلمي المحلي لإقليم اسا_الزاك
  •  المهدي السعيدي: ملامح حركة جهادية بسوس والصحراء في القرن التاسع الهجري ايت اعزى وهدى بزاوية اسا . بحث منشور ضمن كتاب الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات منشورات كلية     الآداب  والعلوم الانسانية الرباط. مطبعة النجاح  ط1/2001
  •  محمد الصغير الافراني صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر تحقيق عبد المجيد خيالي مركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء المغرب
  •  محمد بوزنكاض :  حاضرة آسا عمق التاريخ وغنى الذاكرة كتاب جماعي

 

 


[1]) المعسول 10/189

[2]) نفس المصدر 10/192

[3]) نفس المصدر  10/193

[4]) انظر مجموع هذه الدراسات في كتاب "اسا ديوان الصالحين" إشراف هيبتن الحيرش و حمادي هباد ضمن اصدارات مركز الدراسات الصحراوية.

[5]) حاضرة اسا عمق التاريخ وغنى الذاكرة تنسيق محمد بوزنكاض ص 66

[6]) المعسول : 10/205

[7]) المعسول : 10/206

[8]) نفسه : 10/207

[9]) نفسه : 10/208

[10]) نفسه : 10/208

[11]) من أفواه الرجال 1/17

[12]) نفسه : 10/209

[13]) نفسه : 9/127

[14]) الشيخ الامام شيخ الاسلام وخاتمة المحدثين وسراج المريدين أوب عبد الله محمد بن سعيد المرغيثي السوسي، ومرغيثة مداشر في عدد الاخصاص بسوس وهي بالميم المفتوحة، فراء مهملة ساكنة فغين معجمة مكسورة، كان رحمه الله اماما في علوم الحديث والسير " ولد سنة سبع وألف ونشأ بمراكش، وأخذ عن شيوخ كثر منهم سيدي عبد الله بن علي بن طاهر، والشيخ ابو بكر السكتاني، وعبد الواحد بن عاشر، وسيدي عبد الهادي، وسيدي العربي الفاسي وغيرهم، توفي سنة 1089هـ. صفوة من انتشر ص 304 .

[15]) واما الوثيقة المعنونة بأخبار الهدى في مناقب الشيخ اعزى وهدى فقال المختار السوسي ان اصلها يوجد في الخزانة اليزيدية وفي الخزانة المسعودية وفي الخزانة الإدِيكلية وتنسب لمحمد بن عمرو الاسريري وهو غير محمد بن عمرو الشهير سوس العالمة ص 214.