البحث في الموقع

رحلة ليوبولد باني إلى منطقة واد النون

بعد استكمال فرنسا احتلال الجزائر وتوطيد سلطتها بالسنغال، أصبحت تفكر في وسيلة للربط بين المستعمرتين من خلال المرور بأراضي شنقيط جنوب المغرب، وقد وقع اختيار من يقوم بهذه المهمة الاستكشافية على ليوبولد باني leopold panet، باعتباره الرجل المناسب لكونه يتصف بعدة مواصفات تسهل عليه تنفيذ المهمة، فهو سنغالي/ فرنسي (هجين) يستطيع القيام بهذه المهمة الصعبة لأن الفرنسيين الخلص لا يستطيعون في ذلك الوقت اجتياز المنطقة،بالإضافة إلى معرفته  بالقليل من العربية الدارجة [الحسانية]، وبإمكانه أن يتعلم السلوك والتقاليد المطلوبة كي لا يثير تخوف وانزعاج القبائل البيضانية التي سيقابلها أثناء تلك الرحلةومن جهته أبدى باني استعدادا وارتياحا لهذه المهمة،ومع ذلك فإن رحلته عبر الصحراء لم تخلوا من العراقيل والمضايقات، إذ انتهبت قافلته جزئيا وتعرض للضرب والشتم والشك في صدق إسلامه، واتهم  بأنه جاسوساً لـ"النصارى"، وتمت الرحلة الأولى والثانية وبعد فشلهما، أرغم باني على تغيير خط رحلته فتوجه إلى الجنوب المغربي بدل التوجه إلى الجزائر حسبما كان مقررا في الأصل، ورغم أننا لا نتوفر على معلومات كثيرة عن حياته، إلا أننا حاولنا قدر الإمكان جمع كل ما يخص رحلته من السودان إلى الصحراء المغربية، و عن كل ما شاهده فيما يخص عادات وتقاليد المنطقة، كما تحدث عن العمران ونمط عيش الساكنة، وكذا الفلاحة والزراعة وأنواع المزروعات التي تتميز بها منطقة واد النون، والتي  ظهرت فيها الحياة منذ العصور القديمة، فسكنتها العديد من القبائل، وخصوصاً البدو الرحل، وتحتوي الجهة على العديد من المعالم الأثريّة القديمة، والتي تشير إلى طبيعة السكان الذين عاشوا فيها، وهذا ما دفع بالرحالة والمستكشفين الغربيين إلى زيارتها وكتبوا عنها الشيء الكثير من خلال المشاهدات والملاحظات أثناء زيارتهم للمنطقة.

 فقد ولد ليوبولد باني    leopold panet: سنة 1820م وشب في وسط فقير وعرف اليتم في سن مبكرة، رغم ذلك تلقى تعليما مكنه من أن أصبح في 11 يونيو من سنة 1838، الكاتب المؤقت إذ شغل هذه الوظيفة لمدة سبعة أشهر ثم تحول بعدها لمزاولة التجارة، وفي سنة 1846م، رافق مندوب البحرية آن رفاييل (anneraffiel) في رحلته الاستكشافية إلى كعرطة[1].

يقول ليوبولد باني: ولدت بدون ثروة، أنا أعيش ببساطة سيئة للغاية، وتعلمت معنى الحرمان، وأعيل نفسي وأخوتاي الشابتان اللتان ليس لهما معيل سواي [2].

وبعد أن استكملت فرنسا احتلال الجزائر، وطدت سلطتها بالسنغال وأصبحت النخبة الحاكمة تفكر في وسيلة لربط بين المستعمرتين، والذي يستدعي بالضرورة المرور بأراضي شنقيط وجنوب المغرب، واكتشاف تلك المنطقة التي ما زال الفرنسيون يجهلونها، ولا يعرفون ما تخبئه من مخاطر وأهوال، وقد وجد البارون روجي في باني الرجل المناسب ليضطلع بهذه المسؤولية، فاقترحه على كل من وزير البحرية الفرنسي، وحاكم السنغال شارل بودان، لتنفيذ تلك المهمة، وقد برز اقتراحه بكون باني شخص مخلص لفرنسا ومعروف بين أوساطها، فقد سبق أن حصل على وسام جوقة الشرف جزاء الخدمات التي قدمها بجانب رفاييل خلال اكتشاف السنغال بالإضافة إلى معرفته بالقليل من الحسانية اعتمادا على دوره السابق في توقيع "اتفاقية الصمغ" [3].

وبعد فشل ليوبولد باني في تحقيق مبتغاه المتمثل في الوصول إلى الجزائر، قرر زيارة المغرب ومن أجل تحقيق ذلك عرض مقابلا ماديا على المدعو شمس زعيم دار مكنوز الذي طلب منه مساعدته على الوصول إلى المغرب مقابل ثلاثمائة قطعة غينية، لكنه مرة أخرى لم يوفق في مسعاه، ليعود إلى سان لوي حيث كتب تقريرا  حول محاولته هذه الفاشلة، مقترحا تغييرا في مسار رحلته، إذ أنه من اليسر أن يرافق قافلته الصغيرة متجهة إلى المغرب يقودها يهودي اسمه جودا، وعندما يصل إلى المغرب سيكمل طريقه إلى الجزائر ... وانطلق ليوبولد باني في السادس من سنة 1850م مع قافلة متجهة إلى شنقيط، يروي قصته الآنفة الذكر عن طفولته بالجزائر وتهجيره لفرنسا وعودته للبحث عن والديه بفاس، فقد تم قبوله في هذه القافلة دون أن يرتاب أصحابها في أمره،  خاصة أنه كان خلاسيا ملون البشرة، ويتكلم الحسانية ويدعي أنه مسلم[4].

وكان ليوبولد باني أول مستكشف يصل إلى الصحراء المغربية من خلال سفر قاده من السنغال إلى المغرب والذي دام من  6 يناير إلى 25 ماي سنة 1850م[5].

استجابة لقرار إداري صادر عنالسلطة الفرنسية بالسنغال قصد التعرف على الجغرافية الطبيعية والبشرية للصحراء المغربيةبمفهومها العام، وهكذا قام باني برحلة سنة 1850انطلاقا من السنغال وصف فيها دقائق الحياة الاجتماعية والاقتصادية. بالصحراء، وقد ساعده تعلمه للغة العربية وذكاؤه في ذلك حيث تحدثعن منطقة واد نون كمجال فلاحي به العديد من المحاصيل الزراعية مثل القمح والشعير والتبغوأشجار التفاح والزيتون والبرقوق والنخيل، كما تحدث عن تنوع الثروة الحيوانية إلى جانب القبض على أيدي "النصارى " النازلين على شواطئ المنطقة[6].

في منطقة واد النون، بقي ليوبولد باني من 20 أبريل إلى 20 ماي، وخصص من كتابه 12 صفحة يتحدث فيها عن موقع منطقة واد النون الجغرافي، وعن المنازل ووسائل الراحة، عن الشوارع وأزقة المدينة، وزراعة الحبوب وأسعارها، والخضار والأشجار المثمرة، والحيوانات المتمثلة في ( الخيول الحمير و الجمال والبقر والخرفان)، والعادات والتقاليد والزواج والمهر، وعن الصغير والكبير، وعن المحاربين المرابطين، عن الموسيقى والغناء والملابس، عن إدارة المدينة، عن العمل والسلع والبيع والشراء، وعن العلاقات التجارة، من هذه النقطة يدخل تلقائيا إلى قلب الغرض السياسي من  هذا السفر الذي هو  تحسين العلاقة بين السودان ومدن المغرب وخصوصا منها  المدن الجنوبية[7].

في كثير من الأحيان  يصف لنا ليوبولد باني حالة الطريق ويسرد المعلومات التي هي ذات فائدة كبيرة كي يستفيد منها المستكشفين المستقبليين، خصوصا تلك المعلومات التي لها علاقة بنقاط الماء، وإمكانية إيجاد المراعي بالنسبة لحيوانات القافلة، وفي هذا السياق جاء  وصف معبر أدرار في اتجاه شنقيط على الشكل التالي:

في اليوم 24 من يناير عبرنا الطريق و  قطعنا الجبال الصغيرة و أيضا المعزولة منها، وكذا السلاسل والتلال وفي طريقنا وجدنا شجرة وافرة  تسمى hignin، وفي المساء حطينا الرحال في مكان قريب من الكثبان الرملية، وأرسلنا جمالنا كي تشرب وجلبنا الماء من آبار إخريف التي تبعد بحوالي 3 كلمترات،  وإخريف هو جبل صغير تحيط به الوديان وقد زين بنباتات جميلة ومراعي وافرة، بحيث يمكنك العثور على المخيمات بالقرب منها طوال السنة تقريبا[8].

وفي 28 من فبراير وصلت القافلة إلى سلسلة التلال القصابي و شرفة تقطع  الطريق إلى خط أفقي، والتي هي في الصعود أو النزول تشكل خطرا على الجمال كما يتضح من العظام المنتشرة على طول المسار بجانبي الطريق.

الملاحظة العلمية والطبيعة ليست ما يهم ليوبولد باني هنا، وإنما ما يثيره هو معرفة السكان وأصولهم، ومعرفة طبائعهم إن كانت مسالمة أو العكس، وإن كانت تميل إلى العدوانية و الحروب أم لا، ومنابع ثرائها و أسباب فقرها، عن إحساسهم وكرمهم تجاه الضيف أم أنهم يكرهون الأجانب، مدى تسامحهم مع الأديان الأخرى ومدى تعصبهم ، وأيضا انفتاحهم وجشعهم على التزويد بالمعلومات[9].

وفي ما يخص قبيلة بارك الله، فهي تعتبر في نظر ليوبولد باني بالقبيلة السلمية، ومصدر ثرائها الماشية. يقول باني: في طريقي من السنغال إلى مدينة الصويرة، فقط عندهم رأيت جواميس وسيمة، وفي أجواء مريحة السائدة بعد الاستمتاع بالضيافة، و حين نتواجد بالقرب من شعلة النار بعد تناول العشاء في المساء.

 وفي هذه الأثناء، أثناء جلوس ليوبولد باني مع أهل قبيلة بارك الله وجد فرصة للانخراط في رصد دقيق لعلم الفراسة، وكذا التمعن في مظهرهم  الخارجي واستنتج ما يلي:  

بدلا من الوجه البيضاوي الأكثر شيوعا في العالم العربي، لديهم  وجه قصير ومستدير، وأنف صغير وأذنان منتصبتان، و الجبهة متقدمة للغاية، ولديهم  قليلا من اللحية لكن شعيراتها مفروشة بشكل جيد، والشارب ممتد أيضا بشكل جيد، وعلى العموم نظرتهم للأشياء بسيطة جدا، وينصتون عند المحادثة بشكل جيد، ويستمعون بدون انقطاع، ويصاحب ذلك حركات طفيفة  بالرأس[10].

وبخصوص طبائع الساكنة، فقد وصف رجالات قرية القصابي بالكرم وحسن الضيافة والاستقبال، كما أجرى مقارنة ما بين نشاط نساء البراكنة والترارزة ونساء منطقة وادي النون، ذلك أن نساء الكبلة ، يبقين داخل الخيام ينصتن للشعر من طرف الأزواج العائدين من أماكن بيع العلك للأروبيين على نهر السنغال، وبالتالي فهن بدون مهام، أما القبائل الموجودة ما بين زمور وواد النون، فنساؤها يعملن خارج المنازل في جز الصوف من الغنم ومن الإبل، وفي نسجه بل وقد يقدن القطعان إلى المراعي، وفيما يخص التحولات الحاصلة آنذاك بواد النون، فقد لاحظ باني انتقال السكان من الخيام إلى الدور، ومن استعمال الملحفة وحدها إلى استعمال الحايك، والإيزار ومن استعمالالحصائر والخشب إلى استعمال الزليج والزرابي ويرجع ذلك إلى الانفتاح على التجارة الأروبية[11]

في هذه الرحلة نجد كذلك حديثا خاصا عن "قرية لكصابي" باعتبارها لا تقل درجة عن كلميم حسب الكاتب، حيث يقول: " في هذه البلدة التي تعمرها قبيلة عربية هي أيت لحسن حيث بعض الدور بمثابة قصور حقيقية يسكنها بعض الناس اللذين لم يكونوا يعرفون سوى الخيام، وهنالك دور أخرى بنيت داخل حصن لكن بدون حامية عسكرية، ويسجل أن غالبية الدور لكصابي تتكون من طابق أرضي، أما توزيعها فوق المجال فلا يخضع لطابع هندسي معين، ويشير كذلك إلى إدخال المواشي والخيول إلى وسط هذه المباني خوفا عليها من اللصوص، وهو ما يسبب في تكاثر الذباب والحشرات، أما الرقيق السود فيقطنون في الخيام خارج القصبة محاطون بكلاب حراسة وسياج من أشواك، أما بخصوص الزراعة في القصابي فقد سجل باني أنها مزدهرة ومتنوعة الثمار كأشجار التفاح والزيتون والتين والبرقوق والمشماش[12].

وقد ذكر باني معلومات عيانية عن النشاط الزراعي في منطقة أدرار وبالتحديد في ضواحي مدينة شنقيط، فقد زار باني تلك المدينة في شتاء 1850م/ فانبهر بمنظرها، فهي تقع في واد مرمل بين تلين رمليين مغروسين بنخيل أغصانه الباسقة تهزها الرياح بشكل مستمر فتتموج وتنتصب فوق الجذع الذي يحملها، ويتواصل انبهار باني بمشهد واحة شنقيط، وهذا النخيل أيضا تحيط به حقول رائعة من القمح والشعير زرعت بعناية فائقة، ويتم ريها بواسطة عين محفورة في وسط الحقل يكفي أن تنزف المياه ونصبها قرب العين كي تسيل عبر القنوات مروية الحقل كله [13].

وقد وصف ليوبولد باني قبيلة الركيبات بقبيلة حربية، وعادة ما يقومون بغارات والنهب على القوافل التجارية، كما أكد العقيد فيدرب ذلك ولا سيما أولاد دليم، وأشار إلى أن الركيبات كانت في حرب مع تجكانت، كما أكد خوليو سيرفيرا سمعة اللصوص والمحاربين من قبيلة أولاد دليم وسيطرتهم على قبائل تيدرارين  والعروسيين[14].

وتمكن باني من عبور الصحراء ليصل إلى مكادور في 25 من ماي من نفس السنة بعد أن عبر أدرار وقضى شهرا بشنقيط، ومر بزمور والساقية الحمراء ودرعة ونون وسوس، حيث التقى بقبائل المنطقة من أولاد أبي السباع وأزرقيين وأولاد دليم وتيدرارين والعروسيين وأيت لحسن وأيت بعمران، وأقام بواد نون شهرا كاملا جامعا المعلومات حول ساكنتها ومؤهلاتها الاقتصادية[15].

واستطاع باني أن ينهي رحلته التي لم تكن سهلة، فقد تخللتها فترات عصيبة كاد في إحداها أن يقتل، إذ سلبت منه أغراضه وكان قاب قوسين أو أدنى من أن يكتشف أمره، لكنه استطاع أخيرا أن يحقق ما لم يستطع أي فرنسي خالص البشرة والأصل واللغة من القيام قبل بداية القرن العشرين، وبعد وصوله إلى الصويرة، ركب سفينة أبحرت به إلى فرنسا، حيث مكث بباريس سنة كاملة، ليحرر تقريرا عن رحلته ويعالج معدته من مرض ألم به خلال سفره، ولم يمض إلا وقت قصير حتى نشرته المجلة الاستعمارية في عددين، وأعيد نشره بعد ذلك في كتاب مستقل بمقدمة للرئيس السنغالي السابق ليوبولد سيدار، وتوفي ليوبولد باني سنة 1859م، بمنزله بكوريا عن عمر لا يتعدى 39 سنة بسبب مرض السل[16].

ونستنتج مما سبق أن  رحلة ليوبولد باني ساهمت في نسج علاقات اقتصادية واجتماعية بين البلدين المغرب والسنغال، وكذا انفتاح الأوربيين على ثقافة وطبيعة المجتمع الصحراوي، واكتشاف جغرافية وموارد العيش في المنطقة، وتحدث ليوبولد باني عن مدى انفتاح ساكنة المنطقة وقدرتهم على التعايش على شكل مجموعات مختلفة من صحراويين وأمازيغ ويهود، كما أبدى إعجابه بكرمهم وحسن ضيافتهم، وهكذا استطاع ليوبولد باني أن يحقق إنجازا مهما ليضاف اسمه ضمن قائمة الرحالة الغربيين الذين زاروا وكتشفوا المجهول من الصحراء المغربية.

 

إعداد/ رشيدة برياط

 


[1]معلمة المغرب (4/565) الطبعة الأولى 1435هـ/2014م دار الأمان الرباط.

[2]Récit d'un voyage de saint-louis du sénégal a Mogador 5 janvier-25 mais 1850 p; 3 .

[3]معلمة المغرب (4/565) الطبعة الأولى 1435هـ/2014م. دار الأمان الرباط.

[4]معلمة المغرب (4/566) الطبعة الأولى 1435هـ/2014م. دار الأمان الرباط.

[5]Panet léopold ; premère exploration du sahara occidental relation d'un voyage du sénégal au maroc. P 467

[6] ملخص ندوة حول موضوع منطقة واد نون من خلال آثار ا لرحالة الغربيينالدكتورمحمد دحمانجامعة ابن طفيل –القنيطرةص 3.

[7]- p: 7  relation d'an voyage du sénégal a soueira (mogador) de léopold panet (1819/1859)

[8]- p: 6  relation d'an voyage du sénégal a soueira (mogador) de léopold panet (1819/1859)

[9]- p: 7  relation d'an voyage du sénégal a soueira (mogador) de léopold panet (1819/1859)

[10]- p: 7  relation d'an voyage du sénégal a soueira (mogador) de léopold panet (1819/1859)

[11] ملخص ندوة حول موضوع منطقة واد نون من خلال آثار ا لرحالة الغربيينالدكتورمحمد دحمانجامعة ابن طفيل –القنيطرةص 4

[12] ملخص ندوة حول موضوع منطقة واد نون من خلال آثار ا لرحالة الغربيينالدكتورمحمد دحمانجامعة ابن طفيل –القنيطرةص 4

[13] المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر  ص 364 منشورات معهد الدراسات الإفريقية 2001.

[14]   édition l'HarmattanMaurice Barbier"le conflit du Sahara Occidental "de 

[15]معلمة المغرب (4/566) الطبعة الأولى 1435هـ/2014م. دار الأمان الرباط.

[16]معلمة المغرب (4/566) الطبعة الأولى 1435هـ/2014م. دار الأمان الرباط.