البحث في الموقع

السمارة

تمثل مدينة «السمارة» نموذجاً متميزاً للمدينة الصحراوية المغربية، بسبب احتفاظها بالإرْث الصحراوي في معالمها التاريخيّة وفي عاداتها وتقاليدها، وفي ألقاب أسَرها الصحراوية، وفي مختلف مظاهر حضارتها، من موسيقى وطبخ ولباس وصنائع...

وقبل تفصيل القول في مكانتها وتاريخها ومعالمها، يجدر بنا التذكير بالترابط الكبير بين المغرب وصحرائه منذ العصور القديمة، ترابط وصل حد الانصهار، حتى أنه لا يمكن فصْل تاريخ المغرب عن تاريخ الصحراء، والعكس بالعكس.

فقد ظلت منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب ـ ومنذ انتشار الإسلام بالمغرب ـ حلقة وصل بين شمال إفريقيا وجنوبها، وبين شرقها وغربها، فكانت ممرا للقوافل التجارية المتجهة نحو بلدان إفريقيا السوداء، ومهدا للحركات الدينية والسياسية، وملجأ للخائفين والفارين من السلطة. فعبر منعرجاتها امتدت الخطوط التجارية التي تربط الشمال بالجنوب، إلى أن استقر بها الشيخ ماء العينين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وأسس بها مدينة «السمارة» التي دشنت أول مشروع حضاري في هذه المنطقة، فأحدث انقلابا حضاريا في تاريخها، واستقرت أحوال قبائلها وسكانها(1). يقول أحمد بن الأمين الشنقيطي: «وكانت الساقية الحمراء خالية لا أنيس بها لشدة الخوف، ولقحولتها دائما، حتى عمرها الشيخ ماء العينين، وبنى فيها الدور، وغرس النخل فسهلت المواصلة بين شنقيط وغيرها من المواضع المغربية، أعني التابعة للمخزن...»(2)، إلا أن هذا الفضاء شكل عبر عصور ولت خلوة يقصدها الصلحاء والمتصوفة، كـ: الشيخ سيدي أحمد الرقيبي دفين «واد الحبشي» شمال شرق «الساقية الحمراء» كما يذكر أحمد بن الأمين الشنقيطي في كتابه «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط»، حيث يصف المنطقة وساكنتها بقوله: «... وهي في الأصل للركيبات، قبيلة أصلهم من الزوايا، إلا أنهم يحملون السلاح في أكثر أوقاتهم»(3)، وسيدي أحمد العروسي المدفون بـ«الطويحل» وبجانبه شهداء أولاد أبي السباع السبعة، وسيدي الحاج أحمد اللحية جد فخذة «أولاد الشيخ» من «الرقيبات»، والجد الجامع لـ«أولاد دليم» بويا علي الدليمي على «واد وين تركت»، والشيخ مربيه ربه بن الشيخ ماء العينين بـ«واد تافودارت» أحد روافد «واد الساقية الحمراء»(4).

ويظهر من هذا أن الشيخ ماء العينين اختار لهذا المشروع الحضاري موقعا استراتيجيا مهما في خريطة هذه المنطقة، وخريطة المغرب بصفة عامة، فقد أقام عاصمته في قلب الصحراء بعيدا عن أخطار المحيط وما تخبئه من مفاجآت، قريبا من نقط الماء، وما تمنحه من أمل في الحياة، تتوسط الصحراء وتطل على «تندوف»، وتراقب عن كثب ما يحدث في «آدرار» و«شنقيط»، وتقف حصنا منيعا ودرعا واقيا في وجه كل من تسول له نفسه الانقضاض على المغرب. وبصفة عامة فقد ورثت هذه المدينة ماضي المنطقة بكامله، فواصلت رسالتها الوسيطية، ولكن في شكل جديد، ينبني على أسس جديدة تقوم على الاستقرار، وفي شروط تاريخية جديدة تتسم بالقلق والخوف(5).

ولم يكن تعمير الشيخ ماء العينين لهذه المنطقة عملا إقليميا يعبر عن رغبة فردية انعزالية تنطلق من تأسيس تجمع حضاري يخضع لنفوذه الروحي والزمني كما يشير إلى ذلك بعض الدارسين الأجانب(6)، ولكنه عمل وحدوي ينطلق من روح وحدوية، ويصب في مشروع وطني متكامل. فقد كان بناء مدينة «السمارة» مشروعا معينيا سلطانيا، يستجيب لضرورة تاريخية تفرضها ظروف المنطقة الصحراوية، وتستوجبها آفاق العمل الدفاعية المشتركة بين السلطة المركزية وخلفائها بهذه المنطقة. ولذلك جند السلطان مولاي عبد العزيز كامل إمكانياته للتعجيل ببنائها، فوضع مجموعة من البنائين والمهندسين رهن إشارة الشيخ ماء العينين، واستنفر عددا من السفن التي كانت تحمل مواد البناء من الموانئ الشمالية إلى «طرفاية» لتنقل على ظهر الجمال إلى «وادي السمارة»(7). وبعد استكمال بناء هذه المدينة، صارت قلب المنطقة النابض، وكعبتها المقدسة، وسوق عكاظها السياسي والثقافي والاجتماعي، تعقد بها المعاهدات، وتتم فيها اللقاءات وتذوب في منتدياتها ومجامعها الخلافات والمنازعات(8).

وقد اكتسبت مدينة «السمارة» مكانة بارزة في تاريخ المغرب، باعتبارها نقطة استراتيجية، وصلة وصل بين شمال المملكة وجنوبها، مما جعلها تحظى على الدوام باهتمام ملوك الدولة العلوية الشريفة، حيث اتخذها السلطان مولاي الحسن الأول معقلا للجهاد، وقاعدة خلفية لصد أطماع المعتدين على المناطق الجنوبية للملكة.

وهذه المكانة المتميزة جعلتها محط أطماع الدول الأوروبية (فرنسا وإسبانيا)، التي اصطدمت بمقاومة باسلة من طرف قبائلها المتاخمة بزعامة قبائل: «الرقيبات»، و«أهل الشيخ ماء العينين»، و«العروسيين»، و«آيت أوسى»، وغيرهم من القبائل الصحراوية(9).

ومن بين المعارك التي تكبد فيها المستعمر الفرنسي خسائر فادحة بهذه المنطقة نذكر على سبيل المثال لا الحصر: «معركة السمارة» في شهر يناير 1957م(10)، و«معركة مركالة» عام 1957م، و«وادي الصفا» سنة 1958م، و«معركة سيدي أحمد العروسي» في نفس السنة(11).

وبعد أن كانت مدينة «السمارة» تشكل في الماضي مربط الجهاد ومرحلة مهمة في طريق القوافل، هاهي اليوم تصل حاضرها ماضيها، وتصبح إحدى المحطات الرئيسية للمحور الطرقي عبر الصحراء، تربط بين الشرق الجنوبي المحادي للحدود لمنطقة «طانطان» و«واد نون» مع شمال المملكة، وبالساحل الأطلنتي غربا عبر «بوكراع» في اتجاه «العيون». وتقع النواة القديمة للمدينة في الجزء المنخفض منها حيث توجد زاوية الشيخ ماء العينين.

كما شهدت «السمارة» في ظرف وجيز بعد استرجاع أقاليم المملكة الجنوبية نهضة كبيرة، ومنجزات ضخمة في جميع الميادين سواء منها: الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، التي تطلبت جهودا جبارة في بنائها وتشييدها، علما بأن الاستعمار الإسباني لم يترك بها أي عمل أو إنجاز(12).

وبالنسبة للمجال الجغرافي لـ«إقليم السمارة» فيوجد في أقصى الجنوب الشرقي للملكة المغربية، ويحده من جهة الشرق والجنوب حدود دولة «موريتانيا»، ومن الغرب «إقليم العيون»، ومن الشمال إقليمي «طانطان» و«أسا ـ الزاك»، ومن الجنوب الغربي «إقليم بوجدور». ويخترقه طريقان أساسيان؛ الأول يربطه بـ«العيون» إلى الغرب، والثاني بـ«طانطان»، وعبرها إلى الأقاليم الشمالية من المملكة مرورا بـ«كلميم».

ويمتد على مساحة شاسعة تبلغ حوالي 61.760كلم2، ويقع بين خطي الطول والعرض 11و26درجة، ويعلو عن سطح البحر بـ 110متر. ويتكون من جماعة حضرية واحدة «مدينة السمارة»، وخمس جماعات قروية، هي: «جماعة الجديرية»، و«جماعة تفاريتي»، و«جماعة حوزة»، و«جماعة أمكالة»، و«جماعة سيد أحمد العروسي».

أما بخصوص تضاريس «إقليم السمارة» فتنتمي من الناحية التاريخية إلى أقدم حقبة جيولوجية عرفها المغرب، وهي عبارة عن هضاب صلبة شرقا، وهضاب رملية هشة غربا مسطحة وشاسعة، يخترقها وادي الساقية الحمراء الذي يتجه من الشرق نحو الغرب، حيث ينحدر من أقصى الهضاب الشرقية للحمادة إلى المحيط الأطلسي «مصبه عند فم الواد» حوالي 450كلم، جاعلا من المناطق التي تجتاحها مياهه في فترات فيضانه هضابا مكسوة بنباتات ومراعي للماشية.

أما المناخ فيتميز بكونه قاريا صحراويا جافا، فهو حار صيفا، وبارد شتاء، ويقوم بُعد الإقليم عن البحر بدور مهم في تشكيل المدى الحراري، حيث تتراوح درجة الحرارة ما بين 48درجة صيفا و15درجة شتاء، كما يتميز مناخه بقلة التساقطات المطرية خلال السنة، وتتحول هذه التساقطات الضعيفة إلى سيول جارفة في بعض الأحيان على شكل زخات مطرية تحدث فيضانات كاسحة، ويتراوح معدل التساقطات ما بين 20و40ملم في السنة(13).

كما تختزن مدينة «السمارة» من الناحية التاريخية والأركيولوجية عددا من المعالم التاريخية والمواقع الأثرية، منها ما يرجع إلى فترات ما قبل التاريخ، ومنها ما يعود إلى بداية القرن العشرين، نذكر منها:

ـ النقوش الصخرية:ترجع إلى أزمنة ما قبل التاريخ وتتمركز في المواقع الآتية: «ميران»، و«الفارسية»، و«حوزة»، و«وادي سلوان»، و«العصلي بوكرش»، وغيرها. ويشكل موقع «العصلي بوكرش» أبرزها، فهو على بعد 40كلم غرب مدينة «السمارة»، ويختزن نقوشا صخرية تعود لفترة ما قبل التاريخ، ويتكون من شريط صخري يعرض لوحات صخرية منقوشة لمجموعة من الحيوانات كـ: النعام، والزرافة، والفيل، والغزال، وغيرها، بالإضافة إلى مجموعة من المقابر الجماعية المسماة «تومول» يصل عددها إلى خمسة مقابر كلها مبنية بالأحجار.

ـ الدار الحمراء:هذا الموقع الأثري يشكل استثناء في المحيط العام للمنطقة، فقد بني بالطوب، مما أعطاه اسم «الدار الحمراء»، ويعتبر ــ حسب الذاكرة المحلية ــ أحد المواقع التي استقر بها الشيخ ماء العينين قبل انتهاء قراره على موقع مدينة السمارة.

 

ـ زاوية الشيخ ماء العينين: تم بناؤها من قبل الشيخ ماء العينين بدعم من السلطان مولاي عبد العزيز خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1898و1904م.

 

ـ كريزيم أو قصر التازي: تقع بقايا هذه البناية شمال شرق المدينة على بعد حوالي 10كيلومترات، وتمثل بقايا بناية استقر بها الشيخ ماء العينين حتى حدود 1259هـ ولم يبق منها إلا جناح مكون من غرفة منية بالحجارة المنجورة والطين.

ـ المسجد العتيق: يقع هذا المسجد وسط بنايات الحي الذي شيدته السلطات الاستعمارية الإسبانية، ويشكل نموذجا متناسقا محكم التصميم تتجسد فيه عدة مهارات وتقنيات معمارية، كما أنه خضع منذ سنة 1994م لعمليات توسعة وترميم.

ترتفع بقايا هذه البناية على الضفة اليسرى للساقية الحمراء، وتراقب واديها، ويتكون تصميمها من سور خارجي من الطوب يشكل مربعا تقويه أبراج في زواياه الأربع. أما المساحة المسورة فتنقسم إلى مجموعة من الفضاءات المستطيلة الشكل والتي كانت تلعب دور الغرف، هذه الأخيرة نتفتح بواسطة أبواب، على صحن مكشوف يؤدي إليه بابان وسط الجهة الجنوبية للبناية.

وتبقى السمات السياحية الطاغية على هذا الإقليم هو خصائصه الجغرافية والمناخية، وخاصة التضاريسية كـ: «الحمادات»، و«الطبيلة»، و«واد الساقية الحمراء»، و«كلتة زمور»، و«أمكالة»، و«تفاريتي»، و«أشجار الطلح»، وغير ذلك من المؤهلات السياحية التي توحي بسياحة واعدة في مجال الاستكشاف والمغامرة والتحدي(14).

 

إعداد: حسناء بوتوادي

 


 (1)انظر: الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين، لمحمد الظريف، منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي، مطبعة بني إزناسن، سلا، الطبعة الأولى 2003م، (ص28،25)، والساقية الحمراء ووادي الذهب، لمحمد الغربي، دار الكتاب، الدار البيضاء (ص206،200).

 (2)الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، لأحمد بن الأمين الشنقيطي، الشركة الدولية للطباعة، مصر، الطبعة الخامسة 1422هـ/2002م، (ص439).

 (3)الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص439).

 (4)مولاي إدريس شداد، (مادة السمارة)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج4)، (27/367).

 (5)الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين (ص28ـ29).

 (6)الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، لعلي الشامي، دار الكلمة للنشر، 1980م، (ص112ـ114).

 (7)الساقية الحمراء ووادي الذهب (ص354).

 (8)الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين (ص47).

 (9)مولاي إدريس شداد، (مادة السمارة)، معلمة المغرب، ملحق (ج4)، (27/366ـ367).

 (10)ماء العينين النعمة علي، (مادة السمارة)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج4)، (27/371).

 (11)مولاي إدريس شداد، (مادة السمارة)، معلمة المغرب، ملحق (ج4)، (27/367).

 (12)مولاي إدريس شداد، (مادة السمارة)، معلمة المغرب، ملحق (ج4)، (27/367).

 (13)نفسه (27/367ـ368).

 (14)نفسه (27/370).