البحث في الموقع

الألعاب والرياضات الشعبية في تراث الصحراء

تعبر الألعاب والرياضات الشعبية بالصحراء عن مستوى التفكير والخلق والإبداع لدى المجتمع الصحراوي. فهي مليئة بالمعاني الجمالية، والعبر والمدلولات الإنسانية والاجتماعية، التي ترسم في تنوعها وتعددها عناصر وجود وهوية المجتمع الذي أنشأها.

فالتاريخ الإثنوغرافي بالصحراء يدلنا على أن الصحراويين أولعوا بالرياضات والألعاب الشعبية ولعا كبيرا وواسعا، وجعلوا منها وسائل للترفيه، والترويح عن النفس، بل مظهرا من مظاهر هويتهم الثقافية. من ثم أمست هذه الرياضات والألعاب ترتبط ارتباطا وثيقا بالهوية التي تفيد خاصية المطابقة، مطابقة الشيء لنفسه ولمثيله، مثلما تفيد الامتياز عن الغير، والتفرد، وخصوصية الذات، ومطلقة الدلالة على الهوية، ولأنها كذلك فهي تسمح بقدر كبير من المعارف ـ لفظية، ذهنية، بدنية ـ تعبر في العمق عن ثقافة صحراوية مبنية على مبادئ التراث، ومنفتحة وقابلة للتطور والعصرنة.

وبعبارة أخرى، تقوم علاقة الرياضات والألعاب الشعبية عند المجتمع الصحراوي على جدلية الذات بالآخر، وعلى إرث ثقافي شعبي مشترك يغتني بتجارب أهله وبتفكيرهم الجمعي، وأيضا بمسار متحول من الخبرات المعاشة والمستمرة (المأثورات).

كما تعتبر الألعاب والرياضات الشعبية بالصحراء ممارسات ابتكارية واختبارية، تتجه نحو خلق أجواء المتعة، والبهجة، والترفيه، وامتحان الذكاء، والطاقة البدنية، واستغلالها بشكل حسن، وفي ذلك لها ميزة عن غيرها في كونها متجذرة في فولكور شعبي عريق له قاعدة صلدة وأساس متين. إنها بذلك تشكل مرآة لتجسيد التراث، وإحيائه، وإعادة توصيفه؛ ليكون مرجعا دائما تتناقله وتتوارثه الأجيال في تلق هادف وبناء(1).

فهذه الألعاب عموما تعبر عن جوانب من حياة المجتمع الصحراوي، فهي تمارس خلال أوقات ومناسبات متفاوتة؛ تبعا لوظائفها، وأدوارها. كما أنها تجسد في دلالاتها معاني التضامن والتكافل الاجتماعي، واختبار القوة والذكاء، والاعتماد على النفس..إلخ.

وتسم الألعاب والرياضات الشعبية الصحراوية الكثير من الخصائص والمميزات كـ: التنوع، والبساطة، والتلقائية، وتنمية العقل والذكاء، والشمول، والارتباط بالثقافة والبيئة المحليتين، إلى جانب تجسيد العديد من العادات والتقاليد الصحراوية.

كما أنها ممارسات قديمة مارسها المجتمع الصحراوي على نطاق واسع، ومارسها بشغف من أجل تكريس الكثير من العوائد والقيم الفاضلة كـ:التسامح، وتقبل الهزيمة بروح رياضية، واكتساب مهارات التنافس، والتمرن على الدفاع عن النفس، وتنمية المخيلة الفكرية والذهنية وغيرها(2).

وقد اشتهر الصحراويون بممارستهم لهذه الألعاب في شهر رمضان، نظرا للطابع الخاص الذي يتميز به أهل الصحراء في هذا الشهر، وكذا المناسبات الاحتفالية كالزواج والختان...الخ.

إلا أن هذه الألعاب أصبحت تعرف في السنوات الأخيرة اندثارا ملحوظا، حيث بدأ يطالها النسيان والتهميش؛ نظرا لظهور وسائل جديدة ومتطورة، كوسائل الإعلام، ووسائل الترفيه الإلكترونية، ووصول شبح العولمة إلى هذا المجتمع.

تختلف الألعاب الشعبية الصحراوية من لعبة إلى أخرى، من حيث الشكل والمضمون وطريقة الأداء. ويتجلى هذا الاختلاف في وجود ألعاب رجالية، وألعاب نسائية، وألعاب مشتركة بينهما، بالإضافة إلى تنوعها من ألعاب ذهنية وألعاب ترفيهية وألعاب بدنية.

وفي ما يلي جرد لأهم هذه الألعاب وتقسيمها إلى ألعاب رجالية، وألعاب الأطفال، وألعاب نسائية، ثم ألعاب ذهنية:

ألعاب رجالية، ونذكر منها:

ـ أَراحْ: ويسميها البعض بـ«هَيْبْ»،وهي لعبة رجالية بامتياز تجسد القوة والصبر والقدرة على التحمل، وهي تشكيلة من ثلاثة عناصر: هدف، ومدافع عنه، ومهاجمون يتحيلون على المدافع ليضربوا الهدف، وهو أن أحد اللاعبين يكون حاثيا في وسط الدائرة، دون أن يمسهم المدافع بقدميه أو بأحدهما، وإذا نجح أحد المهاجمين في ضرب الموجود بالوسط، حل المهاجم مكانه، وهكذا دواليك(3).

ـ أَردُوخْ: رياضة شبابية تسمى أيضا بـ«أريدوخْ» و«اطْعاز» و«أطَيْعُوزْ»، فهي لعبة عضلية تماما مثل المصارعة الحرة، يمارسها رجلان، وينطلق اللعب فيها بمبادرة أحد اللاعبين بالقول: «تَدْخَلني.. ولاّ نْدَخْلَكْ». من ثم يبدأ التشابك البدني بالأيدي والأذرع والتدافع ليبلغ اللعب نهايته بإسقاط المنهزم أرضا. مع إشارة إلى أن لعبة أردوخ تمارس خلال جولة واحدة قد تطول مثلما قد تقصر حسب مستوى التنافس والقوة البدنية للمتباريين(4).

ـ الديبُولا: لعبة جماعية يمارسها فريقان على رقعة كبيرة دائرية الشكل يتم تحديدها فوق أرضية رملية. تبدأ هذه اللعبة بدخول أفراد أحد الفريقين إلى وسط الدائرة، ليبقى أفراد الفريق الآخر خارجها وهم يحاولون إخراج الخصوم من رقعة الملعب، لكنهم قد يواجهون بدفاع قوي من قبل لاعبي الفريق الخصم، الذين يحاولون بدورهم إدخال خصومهم إلى وسط عملية تجاذب وتشابك قوي بالأيدي تحسم نتائجه فوق حدود أرضية اللعب(5).

ـ السِّيك: لعبة جماعية يمارسها الصحراويون على نطاق شعبي واسع بعد الإفطار. فهذه اللعبة تتألف من ثمانية أعواد خشبية Batonnetsمجهزة تجهيزا خاصا، ويلعبها فريقان متنافسان يستخدمان أعوادا وبعرا يتم تحريكها في ميدان خاص يرسم على الأرض. ينطلق اللعب في لعبة السِّيكْ بمبادرة أحد الفريقين المشكل من لاعب واحد إلى ستة لاعبين، وقد يتجاوز العدد ذلك، حيث يقوم أحد أفراده بتناول سبعة أعواد بدلا من ثمانية ليرميها أرضا على مساحة محددة، فهو لا يسمح له باستعمال العيدان كاملة سوى بعد أن يحصل على «سيكَة»، أي حين يتمكن اللاعب من إنجاز رمية ناجحة تظهر فيها كل الأعواد على وجه واحد قد يكون اظْهَرْ أو الوجه، ليسمح له بالتنقل بين الحفر على أرضية اللعب في اتجاه قطع الفريق الخصم وفقا لعدد النقط المسجلة، وتبعا لشكل وحالة الوضع الذي تستقر عليه الأعواد خلال الرمي وخلال مراحل اللعب المتوالية(6).

ـ خْبِيطْ الشَّارَة: وهي رياضة ذكورية أشبه إلى حد كبير برياضة الرماية، يمارسها الصحراويون بشكل اعتيادي منظم، أو خلال مناسبات الزفاف وغيرها. فهي تعتمد الدقة والتركيز والحرص الشديد على إصابة الهدف. وتقتضي هذه اللعبة تحديد هدف الإصابة عن بعد يُقدَّر بأمتار كثيرة، وغالبا ما يكون موضوع الرَّمي «ازَّرْكْ» شيئا صغيرا تصعب رؤيته بسهولة لامتحان درجة دقة اللاعبين. ومن ذلك يضعون رؤوس القارورات الزجاجية أو بعرة مثبتة على إبرة أو رأس قالب السكر.. إلخ. من وسائل اللعب المستعملة في مزاولة هذه الرياضة ـ إضافة إلى التعمار/ قطع الغيار المرخص لها ـ بنادق تقليدية أقدمها «لْوَرْوارْ» و«لَزْرَكْ» التي تعبأ بقطع حجرية صغيرة في حجم فوهة البندقية تقوم مقام الرصاص، ثم «تْمَبْرَبَزَّة» التي ترسل «امْطارَكْ» (رصاص) من النحاس تجاه الشارة الهدف. وأيضا: «اثْلاثية» و«الرُّباعية» و«أم خْريصْ»(7).

ـ عْمُود الدُّخان: لعبة شبابية عضلية تمارس بطريقة جماعية وتقتصر على فئة الذكور دون الإناث، إذ يروم من خلالها الممارسون إظهار الخفة والقوة الجسمانية في نفس الآن. تتألف هذه اللعبة الشعبية من فريقين يضم كل منهما سبعة لاعبين (أو أكثر)، وخلال أدائها يقوم أحد لاعبي الفريق الأول بالوقوف حاجزا مانعا ومنيعا من السقوط أمام أعضاء فريقه الذين يتخذون وضع الانحناء ليتركوا الفرصة للاعبي الفريق الثاني للقفز فوق ظهورهم أطول مسافة ممكنة. فإذا تمكن كل لاعبي الفريق الثاني من ذلك بنجاح يربحون الجولة، وإذا لم يتمكن أحدهم عوضوا الفريق الأول في وضعية الانحناء..وهكذا يستمر اللعب(8).

ـ كْبِيبَة: لعبة شبابية جماعية يتجاوز عدد ممارسيها أحيانا عشرين لاعبا لكل فريق. وقبل الشروع في اللعب، تجرى القرعة لتحديد الفريق الذي سيحمل الفريق الآخر على ظهور لاعبيه. بعد ذلك يركب اللاعبون الذين اختارتهم القرعة ويشرعون في تبادل الكبَّة في ما بينهم على بعد مسافات متقايسة شريطة ألا يتم تحريكهم (عمدا) من طرف لاعبي الفريق الخصم. وفي اللحظة التي تسقط فيها الكبّة/ الكرة، ينزل اللاعبون المحمولون ويفرون فيبدأ الخصوم في ملاحقتهم وإرسال الكبّة في أثرهم، وإذا لمست هذه الأخيرة أحدهم يعوضونهم في وضعية اللعب..وهكذا. يمارس لعبة كبيبة في الغالب الشباب والصغار لتدريبهم على ركوب الخيل والإبل وهي تقوم كثيرا على التركيز والمطاردة المتكررة(9).

ـ فرسان خيل أم بية: تلعب هذه اللعبة على أرضية رملية وتضم فريقين يحركان بيادق توضع مزدجة الواحدة فوق الأخرى يطلق عليها اسم الفرسان. يتم ضرب البيادق الفوقية بالأصبع لإطاحة بيادق الخصم وإبعادها من رقعة اللعب على إيقاع مشوق تحسم فيه النتيجة بجمع النقط وتسجيلها. وأم بَيَّة تسمية قدحية تطلق عادة على الخيام البخيلة، وعلى المصير السيئ. جاء في تعبيرهم الشعبي: «امْشَاتْ بِيهْ أَمْ بَيَّة»، و«دَّرْبَ امْعَ دَرْبِيَّة».. إلخ(10).

ـ كرة لحبيلات: من الألعاب الشعبية التي تعرف انتشارا واسعا بمنطقة وادي نون، وهي كرة تصنع من فدام النخيل يلف بحبال مصنوعة من سعف جريد النخيل وتلعب بالعصي المعقوفة التي تشبه الصولجان، حيث يتوزع اللاعبون إلى فريقين لحيين أو دوارين متجاورين ويحاول كل فريق في منافسة جديدة الانتصار على الآخر، وذلك بأن يوصل الكرة إلى مرماه في عقر داره. وهذه اللعبة شبيهة بما يسمى اليوم كرة العصا تماما، وإن كانت تختلف في الأدوات والقوانين وكانت اللعبة والرياضة المفضلة بين الصغار والكبار في كل مداشر القبيلة، ولاسيما في أسرير وتغمرت(11).

ـ آغيمور: لعبة شعبية تمارس بالعصا، وطريقة لعبها تحفر حفرة في عمق الشبر أو دونه، ويكتنفها اثنان بمقلاويهما، وعن يمينهما ويسارهما اثنان آخران يتعاطيان الكرة من فوق رؤوس الأولين اللذين يحميان الحفرة بعصويهما إما بضرب الكرة لتطير بعيدا عن الحفرة، وإما بسد الحفرة بالعصويين حتى لا تسقط فيها الكرة ويتحين غفلتهما الآخران فإن سنح لأحدهما إلقاؤها في الحفرة نحى الذي ألقاها عن يمينه ووقف في مركزه المسمى «آغام».. وهكذا(12).

ـ اللَّز، لَزْ لْبَلْ: تعدو مجموعة من الإبل بسرعة متزايدة تنهب الأرض نهبا على طول مضمار رملي، في ما يلتصق المتسابقون بأسنامها ويصرخون لحثها على الركض. فهذه الرياضة الشعبية تجسد خصائص القوة والشجاعة والتحمل والتحدي التي تسم شخصية الإنسان الصحراوي، وتبرز جانبا من علاقته الحميمة مع الجمل(13).

ـ الثود: لعبة شعبية تمارس على ظهور الإبل، بحيث يمتطي كل لاعب جمله ويشرع في تقاذف الكرة مع باقي اللاعبين المتبارين(14).

ـ تامْبَيْهِيتْ: وهي لعبة تعتمد على تقديم رجل وتأخير أخرى أثناء الجري(15).

ـ دبليلعبة من الألعاب العضلية المفضلة لدى الشباب من الرجال في الأقاليم الصحراوية، وهي أن يشكل مجموعة من الفتية حلقة مستديرة وهم في وضعية الوقوف، بينما يتوسطهم أحد المتطوعين وهو في وضعية انحناء يكاد يكون معها جالسا تماما، وبينما يتسابق كل الفتية لتسديد ضربات خفيفة لللاعب الذي يتوسطهم، يحاول هذا الأخير رد تلك الضربات لمن ألحقها به، دون أن يبادر بالوقوف، وإذا نجح في ذلك التحق بالمجموعة الواقفة على أساس أن يحل محله اللاعب الأول الذي رد له الضربة بشكل فوري.

ـ حابة: لعبة شبابية تعتمد على الضرب والفر(16).

كما يمارس أطفال الصحراء مجموعة من الألعاب الشعبية الخاصة بهم والتي تلائم بيئتهم وأعمارهم، ومن ذلك:

ـ الغْمِيظَة: وهي لعبة شعبية لا تخلو من أطوار مثيرة، وتعتمد على اللمس وتتبع أثر الصوت، ويمارسها الأطفال بالصحراء في الفضاءات الواسعة والممتدة بالقرب أو بالبعد من الخيام. تبدأ لعبة الغميظةبإجراء القرعة «خْبِيطْ العودْ» لتحديد الخاسر من اللاعبين والذي تغمض عيناه بقطعة من الثوب حتى لا يرى شيئا. يقوم اللاعب المغمض بمحاولة لمس اللاعبين الذين يحيطون به كلما اقتربوا منه، بل إنه يتحرك في كل الاتجاهات بحثا عنهم، وفي حالة نجاحه في ذلك، يقف مكانه من تم لمسه..، ولكي يسلم المختبئون من أداء دور المغمض، عليهم أن يصلوا إلى مكان اللعب المحدد من دون أن يتعرف عليهم اللاعب المغمض معصوب العين..وهكذا تستمر اللعبة(17).

ـ بُونْواشَة: لعبة مسلية يمارسها الأطفال، تجسد الصراع الجدلي القائم بين الأب والأم في شأن تربية الأولاد، عدد الأطفال في هذه اللعبة قد يتجاوز العشرين، يصطفون بشكل منظم عبر فريقين، يتقدم الذكور منهم طفل في دور الأب، وطفلة تمثل الإناث منهم في دور الأم، ويتقابلان:

      - الأب يردّد: أنا كَايَسْ ديدي

      - الأم: ديدي فيهْ عْبَيْدي

      - الأب (يعاود): أنا بوكم نوكلكم

      - الأم: أنا امهم انَّمِيهم

      - الأب: أنا كَايَسْ وادي

      - الأم: وادي فيه أولادي..وهكذا..(18).

ـ العَظْمَة: لعبة ترتبط ارتباطا وثيقا بالإناث في الصحراء، فهي تتشكل أساسا من عظام الشياه أو أرجلها، وتعد من أشهر اللعب عند الطافيلات (الفتيات) الصحراويات، وأكثرها تعبيرا عن واقعهن النسوي، حيث يقمن بتزيينها، وضفر شعرها وتنميقه بواسطة العقيق الملون المثبت بالعلك فتبدو كما لو كانت امرأة جالسة، تضفي عليها الفتيات صفات إنسانية كالحديث والمؤانسة، وتذهب الفتيات بعظماتهن إلى نساء معروفات في الحي «لفريكْ» ويقلن لهن: لقد أسمينا عظماتنا بأسمائكن «رانّا سَمَّيْنَ عَظْماتَنا عْليكمْ»، فتبادر النسوة المعنيات إلى تزويد الفتيات بالحناء والعقيق وقطع الثوب. وعادة ما تبتكر فتيات الصحراء للْعَظْمَة بنتا تسمّى الدكريشة يلبسنها ملابس الفتاة ويضفرن لها كما لو كانت بنتا حقيقية، ثم يصنعن أشكالا تمثل رجلا من خشب ويلبسنه الدّراعة واللثام وحزاما من ثوب أو جلد، ويعلقن على رقبته التمائم وأدوات التدخين فيبدو واقفا في هيئة رجل، ويسمّى «البُريش»، كما يضعن له شعرا أبيض اللون دليلا على الشيب(19).

ـ قَاش: هي رياضة الخفة والرشاقة والقفز التي يزاولها الصبية والأطفال، وتتمثل في انحناء أحدهم واضعا يديه على ركبتيه، فيتخذه اللاعبون بمثابة حاجز للقفز، وإن حدث ولمسه أحد اللاعبين ينوب عنه في هذا الوضع..وهكذا، وأثناء القفز يخاطب اللاعبون اللاعب «الحاجز» بالقول: «أكْطَعْ الراسْ»، ومعناها: انحن، حماية للرأس من أي اصطدام محتمل. تعرف هذه اللعبة كثيرا بقاشْ قاشْ ويسميها الموريتانيون بـ«انقاشْ»(20).

وألعاب النساء مثل:

ـ خْمِيسَة: من الألعاب الأكثر شعبية التي تمارسها فتيات الحي (لَفْرِيكْ)، وهي تعتمد على اللعب بواسطة خمس قطع صغيرة من الحجارة وتستند على مهارة التركيز. خلال اللعب تسعى كل لاعبة إلى التقاط الحجارة التي يتم تقاذفها في الهواء وذلك بشكل متناغم ومركز دون إسقاطها على الأرض، فالإسقاط يعد هزيمة ونهاية الدور أثناء اللعب(21).

ـ عَرْفَة: تمارس فتيات الصحراء لعبة عَرَفَة ثلاثة أيام قبل حلول عيد الأضحى، ويشترك فيها ما بين عشرين إلى ثلاثين من فتيات الحي (لَفْرِيكْ) يَطُفْنَ على الخيام لجمع الحناء والسكر ولْخَوَاظْ، وتسعى النسوة إلى مَدِّهِنَّ بما يرغبن تبركا وتيمنا بالعيد السعيد. خلال مراحل اللعبة تنشد الفتيات موالا على شكل أدعية، من بين كلماته:

      عَرْفَة عَرْفَة يَا مْبَارْكَة..يَ مَيْمُونَة يَ السَّالْكَة

      أَعْطُونِي شِ وَلاَّ نَمْشِي..

      نَرْفَدْ دَبْشِي اعْلَ كَرْشِ..

      ثم:

      تُوبْ..تُوبْ

      يَمْلِي خَيْمَتْكُمْ مَنْ لَكْتُوبْ..

      وأيضا:

      وَاحْ..وَاحْ

      يَمْلِي خَيْمَتْكُمْ مَنْ لَلْوَاحْ.. إلخ(22).

 ـ كْرُورْ: أو «أم احَمْيْدِيشْ» أو «أمْ آنْكيبْ»، لعبة نسائية تساعد فتيات الصحراء على الاستعداد لممارسة الألعاب المعقدة ومحاولة الخروج من المتاهات الذهنية بنجاح. هذه اللعبة تتمثل في محاولة ملء مجموعة الحفر بالحجارة أو بنوع من علف الثمار. وقواعدها عموما تمنح الفتيات إمكانية الاستعداد لممارسة لعب شعبية أخرى مماثلة كالسِّيكْ وغيره. تسمى الدورة الأولى لهذه اللعبة بـ«الدكسى»(23).

وألعاب تروم تنشيط الذهن واختباره أهمها:

ـ مَرْيَاسْ: وهو لعبة حديثة تتأسس على أربع قبائل متنافسة هي: البِيكْ، الكورْ، الكَرو، والطْرِيفَلْ.

ـ التوتي:الشبيهة تقريبا بلعبة مَرْيَاسْ على مستوى طريقة اللعب، لكنها تختلف عن مَرْيَاسْ من حيث ضمان قيمة الأوراق. وقبائل التوتي هي: كوباسْ، أوروسْ، شْباظا، وباسْطوسْ(24).

 

ـ أصرند «الشطرنج»: وكيفته أن يخط في التراب 64 مربعا (8x8) وتعمر النقط التي في زوايا المربعات وهي (9x9) بأن تغزر في أحد الجانبين أربعون عودا أربعة منها إلى يمين النقطة المركزية ويعمر الجانب المقابل بأربعين بعرة كذلك وتترك النقطة الوسطى فيقتلها خصمه بوضع العود الذي يليها في اتجاهها في محلها ويختطفها وهكذا يتبادلان القتال. ويجوز للاعب السير إلى أمامه، عموديا، أو قطريا، لا أفقيا ولا إلى الوراء، إلا عند القتل فيقتل إلى كل جهة ويقتل واحدة فأكثر كلما وجد النقطة خلفها خالية. وإذا سها اللاعب عن القتل سوفل، أي أخذ عوده أو بعرته. وإذا بلغ بالعود أو بالبعرة أي نقطة من الخط الأفقي الأقصى بالنسبة إليه تسمى البعرة أو العود سلطانا وللسلطان الولعب سير في أي تجاه وعلى طول الخط.

ـ دَمْرَاوْ «لعبة السدر»: فكيفيته أن تخط ثلاثة مربعات يحيط بعضها ببعض (بشكل متداخل En abyme)، ثم يأخذ أحد اللاعبين 12 عودا ويأخذ الآخر من 14 إلى 18 بعرة ويركز هذا عودا في زاوية أحد المربعات ويضع هذا بعرة كذلك، ثم يكرران العمل في الزاويتين المتقابلتين أفقيا أو قطريا أو عموديا. فإذا اصطف ثلاث وحدات متوالية يسمى ذلك دَمْرَاوْ وبه يستحق اللاعب رفع وحدة شاءها مما ركز خصمه، ولذلك يحتال كل منهما بسد النقطة الوسطى من الصف بوحدة من عنده.

وإذا حصل عند أحدهما ثلاث وحدات مصطفة قطرية، واثنتان أفقيتان تجتمعان مع الثلاث في زاوية وسادسة في وسط المربع الأوسط. هكذا: فقد انتصر.

فلا يحتاج بعد إلى استخدام ما بقي عنده من الوحدات، بل يجر الوحدة العليا من القطر أفقيا، أو المتطرفة من المربع الداخلي قطريا. ويسمى ذلك «تنكحة». فإذا سد خصمه إحدى الطريقين بقيت له الأخرى والوحدة المتطرفة من دَمْرَاوْ تقتل وحدة ووحدات خصمه التي تليها إذا كانت النقطة خلفها فارغة، فإذا حصل له في أثناء ذلك دَمْرَاوْ جديد أخذ وحدة من جديد كلما تكرر له ذلك، ويسمى «فم اجديد»(25).

ـ نيروبة: لعبة شعبية ذهنية تقوم على طرح أسئلة افتراضية على شخص ضمن الجماعة دون منحه حق مشاهدة رقعة اللعب، إذ يُطرح عليه السؤال التالي «نيروبة جاتْ ولَّ ما جاتْ» (المعنى: هل قدمت نيروبة أم لم تقدم بعد؟)، فيرد المتباري على الفور «ما جاتْ وْلاَ شفناها»، بمعنى:«لم تأت، ولم نراها». آنذاك يردّ اللاعب الآخر: هل نأخذ أحد أبنائها في إشارة إلى قطع الحجارة التي رتبت على رقعة نيروبة، حيث يستمر مسير رقعة اللعب في سؤال المتباري الذي لا يرى الرقعة ولا أي ولد من أولاد نيروبة يأخذ، وإذا أصاب الهدف منح الحق في تسيير رقعة اللعب واعتبر فائزا.

تلعب لعبة نيروبة على الشكل التالي:

هل نيروبة قدمت أم لا؟ ويعني بنيروبة أنثى الأرنب البري.

فيجيبه الآخر الذي يشاهد الرسم:

لا، لم تأت ولم نراها.

خذوا أحد أبنائها.

هذا؟ يجيبه المشاهد واضعا يده على إحدى النقط الثلاثة التي تعوضها «بعرة»، أو نحوها أثناء اللعب، وتعني أبناء نيروبة.

فيرد زميله المغمض العينين: نعم، فيرمي السائل البلية التي كان يضع أصبعه عليها، ويعيد المغمض العينين السؤال من جديد:

نيروبة قدمت أم لا؟

لم تأت ولم نرها.

خذوا أحد أبنائها.

هذا؟ واضعا يده على مكان (الابن الأول) الذي رمى به، ليعرف ما إذا كان المغمض متنبها للمكان الفارغ.

لا

هذا؟ واضعا يده على (ابن جديد).

نعم.

تتكرر العملية إلى أن يؤخذ الأبناء الأوائل، ثم يجاب بالنفي كلما تعلق الأمر بمكان فارغ بدءً من مكان الأبناء المأخوذين، ومرورا بالخطوط الفاصلة بين الأبناء، التي تعتبر أودية وجبالا وسهولا، وعلى الممتحن أن يجيب بالنفي ما لم تقع أصبع السائل على أحد الأبناء الذي لم يؤخذ بعد. وبذلك يقاس ذكاء الممتحن على مدى التركيز، وتخيل الصورة الإجمالية للعبة، إلى حين أخذ كافة أبناء نيروبة(26).

 

ـ ظامة: أو ظَامَت من أبرز الألعاب الشعبية المحببة لدى فئة الرجال بالمجتمع الحساني ولاسيما الكهول والمسنين، والتي تمثل لهم وسيلة يومية لملء أوقات الفراغ. وهي عبارة عن رقعة مسطرة بكيفية هندسية متساوية، يتم رسمها على الرمل، ويصل عدد خانتها وتقسيماتها إلى أكثر من ثمانين مربعا، يلعبها شخصان يحيط بهما لفيف من الأصدقاء (مناصرون يسمون بالنُعاتْ) يحفّزون اللاعبين ويشجعانهما على بذل أكبر مجهود ممكن للفوز والظفر بحصة اللعب. كما تعد لعبة تثقيفية تساهم في إذكاء مهارات الإنسان وتدفعه إلى التفكير، وتحفزه على المواجهة العقلية، والتميز بسرعة البديهة، والقدرة على اكتشاف مواطن الضعف لدى الخصم للتمكن من التغلب عليه، وبالتالي فإن هذه اللعبة تساعد على إثبات الذات في جو من التنافس الشريف الذي يروم المتعة والتسلية، وتحريك نوازع الذكاء، والموهبة الفردية.

خلال الإعداد لممارسة هذه اللعبة يكلف أحدهم بحط ظامة (أي رسمها)، بينما يكلف آخر بجمع مالها، أي بيادق اللعب (الجنود) المكونة عادة من بعر الإبل والعيدان والأحجار الصغيرة. وقبل انطلاق اللعب يردد أحد اللاعبين متحديا: «رَانَكْ مَا نَكْ لاهِ تسمعْ لَعْمارَ»، والمعنى: «إنك لن تهزمني». وفي حالة حدوث ذلك عقب جولة كاملة من اللعب تردّد الجماعة: «فلان مَ سْمَعْ اعْمارَ»، وهو تعبير شعبي حساني يدل على وقوع هزيمة كبيرة وسريعة مني بها المنهزم من دون مقارعة أو منافسة شديدة(27).

وخلاصة القول فالألعاب الشعبية تشكل أحد أهم عناصر التراث الشعبي، وجزءا مهما من الذاكرة والوجدان الجمعي لأي مجتمع، فهي نتاج للتكوين الثقافي والحضاري، وانعكاس للبيئة والجو الاجتماعي السائد، ويسهم اللعب إسهاما فعالا في بناء الشخصية الاجتماعية وتربيتها من النواحي الوطنية والنفسية والجسدية.

 

إعداد: حسناء بوتوادي

   

 


 (1)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش،لإبراهيم الحيسن، منشورات الزمن، سلسلة شرفات، العدد 58، نشر هذا الكتاب بدعم من وزارة الثقافة، مطبعة بني ازناسن، سلا، 2015م، (ص124ـ125).

 (2)نفسه (ص125).

 (3)انظر: محمد دحمان، (مادة هيب)، معلمة المغرب، نشر دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى 1435هـ/2014م، ملحق (ج4)، (27/657)، ومجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص127).

 (4)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص127).

 (5)نفسه (ص134).

 (6)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص140ـ141).

 (7)نفسه (ص128ـ129).

 (8)نفسه (ص130).

 (9)نفسه (ص126ـ127).

 (10)نفسه (ص143).

 (11)نفسه (ص134).

 (12)نفسه (ص134ـ135).

 (13)نفسه (ص130).

 (14)نفسه (ص131).

 (15)نفسه (ص135).

 (16)نفسه (ص135).

 (17)نفسه (ص126).

 (18)نفسه (ص140).

 (19)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص139).وراجع أيضا: شذرات من الأدب الحساني، للطالب بويا العتيك ماء العينين، منشورات مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1999م، (ص41).

 (20)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص128).

 (21)نفسه (ص142ـ143).

 (22)نفسه (ص139ـ140).

 (23)نفسه (ص142).

 (24)نفسه (ص137).

 (25)نفسه (ص137ـ138).

 (26)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص143ـ144)، وراجع أيضا: شذرات من الأدب الحساني (ص39ـ40).

 (27)مجتمع البيضان النسق الثقافي ونمط العيش (ص136)، وراجع أيضا: شذرات من الأدب الحساني (ص38).