البحث في الموقع

ثقافة الوعي الجمعي الخاصة بالمتغيرات المناخية

 

 

  تراكمت لدى الوعي الجمعي بالصحراء مجموعة من الطقوس والممارسات المادية والرمزية التي تؤثث لعدة مشاهد منها ما هو مرتبط بتنشئة الإنسان وتطوره ، ومنها ما هو مرتبط بالمجال الطبيعي الذي يعيش فيه والذي يتميز بخصوصيات ناذرة، ومنها ما هو مرتبط باستراتيجيات المعاش والمنافع الاقتصادية التي يبتكرها البدو في هذا المجال، وهو الأمر الذي يكسب إنسان الصحراء ثقافة ذات خصوصيات متميزة في كثير من

وجوهها، لكنها تلتقي مع ثقافة ساكني المجالات الأخرى في خلق وضعيات مناسبة تتوخى مراعاة الوسط الذي تعيش فيه في تدبير مناشط حياتها اليومي

وقد شكل الماء واحدة من القضايا المركزية في انشغالات مجتمع البدو في الصحراء لا لشيء إلا لأن الصحراء عرفت تاريخيا بكونها مجال النذرة في الماء بارتباط مع طبيعة المناخ السائد الذي يطبعه الجفاف والحرارة المرتفعة طيلة السنة. وأمام سطوة هذه الجبرية التي فرضتها الجغرافية على بدو الصحراء، فإن هؤلاء قد تفننوا في خلق استراتيجيات تتوخى اختراق الجغرافية ، وهو ما أشرنا إليه سابقا، في التعامل مع كل ما يتعلق بالماء استشرافا وتدبيرا ووقاية.

1 – مكونات طبيعة الصحراء :

كانت المدرسة العربية الإسلامية سباقة إلى التفطن إلى دور المجال الجغرافي في تكريس مجموعة من الظواهر، من خلال محصلة الخلاصات التي وصل إليها إبن خلدون في مقدمته المشهورة، ذلك أنه حاول أن يميز المجموعات البشرية من حيث البنية الجسدية والطبائع بارتباط مع مجالهم الجغرافي القاطنين فيه والذي يكسبهم سلوكات تتراكم مع توالي الأجيال داخل المجتمعات القبلية القاطنة في هذه المجالات. وقد توصل إبن خلدون إلى إحداث مقارنة بين المجتمع القبلي في المجالات الصحراوية والمجتمع القبلي في التلول والسهول. ففي المقدمة الخامسة المعنونة ب" في اختلاف أحوال العمران من الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم " يقول ابن خلدون " وفيها الأرض الحرة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة فكأنها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بينالبربر والسودان" (1). وفي السياق نفسه يتحدث ابن خلدون عن ما يتبع الاستقرار فيالمجالات القاحلة التي تقل فيها المقدرات المائية بشكل كبير بل تنعدم أحيانا أخرى،ناهيك عن الحبوب والخضر وتوابعها، فيضطر البدو إلى تعويضها بأنظمة غذائية مكتسبة بفعل جبرية الجغرافيا حيث يشير إلى أن " هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة وإنما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم (...) التي تعوضهم عن الحنطة أحسن معاض " (2). ويصل ابن خلدون إلى محصلة مفادها  أن  مجال الصحراء  وتوابعه من نمط العيش المعتمد على شح الموارد له انعكاس إيجابي على البناء الجسماني والعقلي للمجموعات القبلية القاطنة في هذه المجالات حيث يبين أن " هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من اهل القفار أحسن في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات هذا تشهد له التجربة في كل جيل منهم " (3). يتضح من خلال ما أورده ابن خلدون أن بدو الصحراء يمتلكون، بفعل ارتباطهم الوثيق بمجالهم الطبيعي ذي الخصائص المميزة، مجموعة من الخصائص الجسمية والذهنية التي تميزهم عن غيرهم، مما يكرس استمرارية هذه الخصائص ليس عبر قافلة الحمل الثقافي بين الأجيال.

وقد ساهم مجال غرب الصحراء، الذي يعتبر في ظاهره طاردا للأشخاص والمنافع والأفكار، في خلق حركية غير عادية للمجموعات القبلية يتم بموجبها اختراق المجالات الجغرافية والبشرية ورسم ملامح ثقافية ذات معالم مادية ورمزية متميزة يتفاعل فيها الطارئ مع المحلي. وقد أشار عبد الهادي عبد الرحمان إلى هذه الظاهرة مشبها البدوي المترحل بالرياح "التي تحمل حبوب اللقاح من مكان للآخر فتخصب البذور لتنتج ثمرة ناضجة" (4). على أنه حاول أن يميز الإنسان عن الريح معتبرا تحركات هذه الاخيرة عشوائية ، في حين تبقى تحركات الإنسان سجلا للتاريخ (5).

وقد توصلت قرائح الأدباء إلى نفس المحصلة التي وصل إليها المؤرخون وعلماء الاجتماع، ذلك أن الروائي الليبي من أصول التوارك كان يتحدث في أعماله الأدبية عن الصحراء كبلد للرؤى السماوية (6)، لأن الصحراء بخصوصيتها الطبيعية تكسب الإنسان السمو والتعالي وشساعة المخيلة وبعد الرؤى وإدارة الوضعيات بشكل ملفت، مما يستدعي القول بأن أنسان الصحراء يصل إلى مرحلة تجعل منه إنسانا مبتكرا ومسهلا لتطوير الذاكرة عبر بوابة العمل الميداني ، وهي المحصلة التي وصل إليها روبير كلارك في أبحاثه حول وجود الإنسان على وجه الأرض (7). وعندما نستحضر العمل الميداني فإننا نورد مجموعة من الممارسات وأولها حركته الدائبة المسماة بالترحال المؤدية إلى ضبط المجالات وضبط المسالك من حيث وعورتها أو ملائمتها، والتعامل مع جبرية المناخ من خلال وضع استراتيجيات للتحرك والتنقل في فترات معلومة ومدروسة بحثا عن الموارد المائية .

 إن تنقل بدو الصحراء من وادي نون إلى اندر في أقصى الجنوب الغربي وتنبكتو في أقصى الجنوب الشرقي مكنهم من ضبط المجالات التي يتم اختراقها عبر معرفة نقط تواجد الماء خاصة الآبارالتي برعت في في ضبط مجالاتها وهندستها القبائل الزاوية خاصة في تيرس وما والاها من تراب شنقيط بارتباط مع النذرة في الماء التي يعيش بدو اهذه المجالات على إيقاعها. فليس من الغريب في ظل هذه المعطيات أن تثير هذه الظاهرة أصحاب العلم والمعرفة في أوساط القبائل الزاوية حتى يوظفوا أقلامهم لتجميع المعطيات عن هذه الآبار وعن الأحداث العامة التي دارت حواليها، وفي هذا الباب برز أمحمد بن أحمد يوره الديماني في مشروعه الخاص بالآبار والذي عنونه ب  "  إخبار الأحبار بأخبار الآبار "  والذي وقف فيه عند مجموعة من الآبار قدرناها بخمسة وسبعين بئرا في بلاد شنقيط عموما والمجال المنتشر في أحواز العاصمة انواكشوط خصوصا (7'')، على أن هذا العمل هو بداية لمشاريع بحث يمكن للباحثين أن ينشغلوا بها لوضع خريطة للآبار التاريخية التي تمتد من وادي نون حتى تيرس والاحداث التاريخية التي وقعت عندها .

كما تم التطرق لأنواع الغطاء النباتي وخصائصها المميزة بالنسبة للماشية ونخص بالذكر على الخصوص الإبل، ثم تلك الصالحة للإستعمال البشري سواء في الإستهلاك الطبيعي العادي أو في الإستعمال الطبي. ولم يكن البدو ليطلعوا على خبايا هذا الغطاء النباتي وتشكيلاته لولا حركة التنقل والترحال التي شكلت عصب حياتهم اليومية، فأكسب المجال بذلك حمولات لامتناهية للبدو ستتوارثها أجيال البدو في الصحراء عبر المعاينة اليومية التي أصبحت المعيار الحقيقي للمعرفة وأخد المعلومة من مصادرها، وقد كانت محصلة هذا الإحتكاك المقولة الشعبية السائدة التي تقر بأن " ال مشى شاف وجاب وال مامشى ماشاف ولا جاب "، وقد توارثتها الأجيال عبر قرون(8).

وقد فرضت الصحراء على البدو نظاما غذائيا ذو خصوصيات متميزة، حيث بني هذا النظام على ما سمي تاريخيا باقتصاد الكفاف والنذرة التي فرضتها جبرية الجغرافيا، بل يذهب ابن خلدون إلى الحديث عن ثقافة الجوع والعطش التي كانت سائدة، حيث أشار إلى أنه "شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر " (9). وقد تربى الوعي الجمعي فيما بعد على هذا المعطى حيث باتت ثقافة كثرة الأكل مع مرور الوقت مرفوضة بل ومذمومة وغير مرغوب فيها من طرف البدو خاصة العنصر الذكوري، حيث  حددت قيمة رجولة الرجل في قلة الأكل ، وأصبحت بذلك الثقافة الرائجة تختزل في مقولة الحسانية      " الكرش ألا  غرارة ورباطها العقل " .

بناء على  المعطيات السالفة الذكر تبين أن النظام الغذائي للبدو في الصحراء حدده نمط الإنتاج القائم والمبني على مستخلصات الثروة الحيوانية خاصة الإبل والأغنام ،ويتعلق الأمر بالحليب ومشتقاته. فهذا ابن خلدون يورد نموذجا حيا للبدو الذين يتمادون في استهلاك الحليب وجعله مصدر غذاء رئيسي يعوض قلة الماء ليس يوميا بل لسنوات عدة ، حيث يقول: " ورأينا كثيرا من أصحابنا أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النهار أو عند الإفطار ويكون ذلك غذاءه واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير" (10). وما لم يشر إليه ابن خلدون كثير يخص استعمالات البدو لمستخلصات الحليب، بحيث نورد مثالا لهذه الاستعمالات خاصة من طرف نساء البدو، وقد كانت الفئة المستهدفة حساسة جدا بارتباط مع عمرها الذي يضعها في مرتبة خاصة ويتعلق الأمر بفئة الأطفال الرضع الذين تزدان بهم خيام البدو خاصة في فصل الصيف الذي تتجاوز فيه درجات الحرارة الأربعينات والتي ستؤدي إلى هلاك هذه القئة بدون شك بسبب الإصابة بالإجتفاف الناتج عن قلة الرطوبة وقلة الماء ، لكن ارتباط البدو الوثيق بالمعز الذي ذكره ابن خلدون، جعلهم يستثمرون مستخلصات حليب الشاة ويتعلق الأمر ب "الدهن" وهو الزبدة المستخلصة من الحليب والذي يخلل به جسد الرضيع طيلة النهار، فيضمن هذا الدهن التوازن الحراري والرطوبة عند الرضيع ، مما يؤدي إلى عدم هلاكه بفعل درجات الحرارة المرتفعة(11).

2 – الوعي الجمعي البدوي وثقافة الماء تاريخيا:

تعامل بدو الصحراء مع قضية الماء كواحدة من أهم القضايا التي تؤرق بالهم لكون المجال الذي يعيشون فيه هو مجال نذرة ، كما أشرنا سابقا ، مما استدعى خلق آليات لمواجهة هذا المشكل من خلال الموروث الثقافي الذي خلفته الأجيال والذي ينم عن ديمومته. فإذا كان  الفيلسوف اليوناني أفلاطون قد توصل، من خلال مشاريعه الفكرية ، إلى أن " الأفكار الكبرى تدوم" (12)، فإنه يلتقي مع تمثلات الوعي الجمعي التي لم تكن بعيدة عن ما وصل إليه من منطلق أن البدو تعلموا في مدرسة المجال الذي كانوا يعيشون فيه فأكسبهم مهارات مكنتهم من إنتاج مقولات وأفكار كبرى لها ديمومة لامتناهية، من قبيل هذه الأفكار تلك التي تعنى باستشراف المستقبل نورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

- زواز ليلة تدبيرو عام

- ياللت أمنادم إخرص بعيد ولا يخرص عند كرعيه

- وني سابك ما جاك السيل ( آوني هو حاجز يبنى للوقاية من السيل أي جريان الوديان)

- ثلاثة ما تكعد فطريكهم الما والعبد والجمل

ومن خلال التحريات الميدانية للمناطق الممتدة من وادي نون في اتجاه الشرق والجنوب الشرقي ثم الغرب والجنوب الغربي تسترعي انتباه المتتبع والملاحظ لطبونيميا ( أسماء الأماكن) مجموعة من الأماكن لها ارتباط وثيق بالماء،فقد سميت مدينة كلميم التاريخية بهذا الإسم لارتباطها الوثيق بمنطقة وادي نون التي كانت بؤرة تجمع كل المجاري المائية التي تنبع من المناطق الجبلية المحيطة بالمنطقة  لتصب في منطقة وادي نون. من هذا المنطلق فإن المدينة تشتبه في كثير من خصائصها مع المواقع الأخرى التي تأخذ نفس الإسم في بعض المناطق من المغرب، ويتعلق الأمر بكلميمة شرق المغرب وإكلمام وهي كلها لها نفس مميزات كلميم أي كونها مناطق تجمع المياه.

وللإشارة فإن المداشر التاريخية نول لمطة وتكاوست وكلميم قد رصعت جبين منطقة وادي نون التي تبين من خلال تسميتها أنها منطقة تجمع المياه في الفترات المطيرة. ومن المؤشرات التاريخية الشاهدة على ذلك هو ما يزخر به تاريخ هذه المداشر من أحداث ذات الصلة يؤرخ بها للمنطقة، فعند الحديث عن الأسباب التي أدت إلى انهيار هذه المداشر التاريخية خاصة نول لمطة وتكاوست، يتبادر إلى الأدهان مضامين الرواية الشفوية التي ترجع هذا الإنهيار إلى أسباب غير مباشرة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، إلا أن من الأسباب المباشرة أدت إلى انهيار المدينتين التاريخيتين هو "بمعروق " الناتج عن الأمطار الطوفانية التي عرفتها منطقة وادي نون وتعرفها عبر تاريخها الطويل، وهي المحصلة التي تكرست لدى الوعي الجمعي في المنطقة الذي يطلق إسما آخر على وادي نون وهو " حفرة واد نون " وهي نفس المحصلة التي أكدتها الأبحاث الأركيولوجية في المنطقة(13)، والتي أوردت في التقرير الأولي عن المرحلة الأولى من الحفريات الذي كان ثمرة للتحليلات المخبرية في جامعة فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية لجميع التحف الاثرية التي تم العثور عليها، أو تلك التي تم الكشف عنها من طرف الأقمار الاصطناعية ويتعلق الأمر بمجموعة من العيون التي كانت منتشرة في منطقة وادي نون(14). وقد قدرت الرواية الشفوية المبنية على الملاحظة الميدانية  العديد من عيون الماء أشتهرت في الجانب الغربي والجنوبي الغربي من وادي نون نذكر منها :

 1- تجنانت            2- تاروارت         3- العنصر        4- بوموسي

 5 – لعوينة           6- التويركة         7 – أميرمان      8 – باعشير

 9 – تييسك          10- عين تيسكنان   11- القويس       12 – عوينة أحمد

13– عوينة سويدي 14- عوينة أهل بلال15- عوينة لكزازمة16 – ع أهل لبشرة

17- عين عبودة     18- ع أمة بود      19- عوينات أميفيس (ثلاثة عيون)

20- عين الشويخات 21- عين أهل حميد  22- عين التراسيم  23- عين أكادير

24- عين أهل السي محمد  25- عين بيضة إوتلان     26 عين وعرون

27- عين الرويسات (مريرة سيدي محمد)  28- مريرة التحتانية

29 – عوينة جريبيح   30- عوينة المسمار   31 – عوينة النخيلات 

 32-  عوينة السراكَـ (15).

وقد لعب الموقع الجغرافي لمنطقة وادي نون دورا كبيرا في كثرة العيون ذلك أن الحواشي الجنوبية من جبال الأطلس الصغير التي تطل على وادي نون هي المصدر الرئيس للموارد المائية التي  تصل إلى وادي نون  عبر مجموعة من الأودية التي تجوب المنطقة  والتي تزود الفرشاة المائية الباطنية بمخزونها المائي الذي يغذي عيون وادي نون. وبإلقائنا نظرة على شبكة الأودية التي تجوب منطقة وادي نون يمكن أن نكون نظرة على أهم الأودية التي تغدي عيون وآبار المنطقة .

جل الأودية والمجاري المائية التي تجوب منطقة وادي نون تنبع من القسم الشمالي الشرقي من سلسلة جبال الأطلس الصغير وهي تباعا (16):

- واد بوكيلا : يمر بمحاداة كدية التويبيع عند ديار أهل التريكزي في اتجاه جنوب منطقة وعرون ثم ينعطف غربا بين أودي الحلفاء وكديات المكَيرينات ليصل إلى القسم الجنوبي من منطقة لكَزازمة ثم عبودة وأميفيس وبعدها يصل إلى بوسولين التي تعتبر منطقة تجمع المياه (معطن الما)، حيث مكنها موقعها هذا من استقطاب البدو الرحل الذين كانوا يوردون إبلهم ومواشيهم فيه. وبقيت قرية تلوين شمال الواد، في حين بقيت كدية بوسمكَان في القسم الجنوبي منه، ليصل في نهاية مجراه إلى واد أساكا.

- واد صيــاد : يأتي من الجانب الشرقي ويمر على جردة المخزن التي لا تبعد كثيرا عن قنطرة الموجودة على الطريق الرابطة بين كَليميم والطنطان في اتجاه الغرب، ثم انقسم بعد ذلك إلى فرعين، الفرع الأول صب في منطقة السويكَية ثم بعدها شمال منطقة وعرون، ثم تفرع بعد ذلك إلى فرعينن الفرع الأول صب في اتجاه بوكيلا والفرع الثاني صب في واد آخر هو واد الحلفاء ونبيكات الرعاوين ، ثم اتجه بعد ذلك إلى مكَيطع الصفي.

أما الفرع الثاني من واد صياد فقد توجه من جردة المخزن متجها نحو جردة مولاي الطاهر في اتجاه خنيكَـ السدر ليصل إلى معدر أطار.

الفرع الثالث من واد صياد يتجه نحو بوسمارة ثم جنوب لكَصابي ومعدر تيسكنان، بعدها تفرق المجرى في اتجاهات متعددة ، فرع منه توجه نحو ديار أهل بلال ثم أمة بودة، واتجه فرع منه نحو الدشيرة ثم تلوين ليصب في واد أساكا.

- واد أم لعشـــار : يأتي من الناحية الشمالية من وادي نون في اتجاه الحي الصناعي ليصل إلى شمال واد صياد، ثم اتجه بعد ذلك نحو بوسمارة ثم معدر تيسكَنان ليلتقي مع واد صياد في المنطقة المحادية لديار أهل بلال وتلوين واميفيس، ثم اتجه بعد ذلك ليصب في واد أساكا.

- واد حـــودا : ينبع من والسلسلة الشمالية الغربية ويمر بمحاداة المطار في اتجاه الطريق الرابطة بين كَليميم وسيدي إفني ليتجه صوب منطقة أزواريكَـ ثم منطقة تازكضارت ثم يتجه بعدها نحو منطقة أدوز، ثم يتجه نحو منطقة تلوين ليصب أخيرا في واد أساكا.

- واد أم فــاس :ينبع من السلسلة الجبلية الساحلية الشمالية الغربية ( كدية الطوال) ويصب في منطقة النعيمات، بعدها اتجه صوب الأراضي المنخفضة ليتخد إسم واد الخروع الذي توجد في ضفته الشماله عوينة أوماحا، وفي ضفته الجنوبية كَويرة الحجل، بعدها اتجه مجرى الواد نحو منطقة بريغيت، ليتجه في مساره الأخير نحو واد أساكا .

وبعيدا عن وادي نون فإن مجموعة من المناطق في اتجاه الشرق والجنوب سميت بعيونها المائية المحلية كعوينة أيتوسا  وعوينة تركز و عوينة الحلفاء( الزاك) وعيون المدلشة وعيون إغمان وعين كَرزيم في واد درعة وعيون الساكية الحمراء وما وراءها، وسميت مناطق أخرى بالآبار المشهورة بها : حاسي اللكَاح ، بير كَندوز، بير لحلو، بيرأم كَرين . كما توجد مناطق اتخذت أسماء معبرة عن سيلان مياه الأمطار ونورد نموذج منطقة إسيل في الحدود بين منطقتي لبيار وراس الطارف جنوب غرب وادي نون ، ذلك أنه كلما تساقطت الأمطار تسيل المياه من أرض أيت ساعد وتصب في لبيار.

وقد تحيلنا هذه النقطة إلى تخريج لا يخلو من أهمية بالغة مفاده أن التاريخ يستثمر دائما للبرهنة على توجهات جديدة سواء تعلق الأمر بالطفرة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. وفي هذا السياق يتبادر إلى أدهاننا مفهوم " أولاد الحفرة " الذي هو لقب يعطى لأبناء  مدينة كلميم المتواجدين في مكان آخر سواء العمال الذين يعملون في أوربا منذ بداية الستينات ، أو الطلبة في الجامعات، وهو نفسه اللقب الذي بات منتشرا في أوساط المتمدرسين من جميع المستويات سواء منها الإبتدائي أو الثانوي، وأصبح من الخربشات التي تزين جدران جميع المؤسسات التعليمية بمدينة كلميم والمنشآت الأخرى ومما أعطاه جمالية أخرى كونه يكتب وفي التصور إشارة إلى عودة الشباب بطريقة Hole boysباللغة الإنجليزية لا واعية إلى التاريخ لفهم بعض الخصوصيات التي ينفرد بها الوعي الجمعي في المنطقة، وهو المصطلح الذي كان متداولا منذ قرون في أوساط النسيج القبلي الممتد من وادي نون ليشمل غرب الصحراء والسودان الغربي.

لا يمكن فهم الكثير من العوارض التي تعرفها منطقة وادي نون إلا بالرجوع إلى استنطاق التاريخ الطويل للمنطقة، حيث التقت الأسطورة مع الحقائق التاريخية الواقعية لتبين أن المنطقة كانت مجمعا لثروات مائية هائلة منذ القدم  وهو ما تأكد من خلال استقرائنا لبعض محطات التاريخ القديم لشمال إفريقيا عموما والمنطقة خصوصا. ففي حديثه عن المنطقة الجنوبية، أورد بطليموس مجموعة من المصطلحات للدلالة على بعض المناطق الجغرافية وهي تباعا  Agna  وهي ماسة ثم Vala  وهي تارودانت، كما أشار إلى Novios  ولا يستبعد أن تكون ذات دلالة على نول(17). وفي خضم حديثه عن الانهار، ذكرسترابون نهر Nulos  وربما هي إشارة إلى نهر النيل ، لكن أتبعه بمعطيات أخرى تفيد بأن النيل ينبع من إحدى جبال موريتانيا السفلى ( أي المغرب الأقصى) غير بعيد عن البحر حيث توجد بحيرة تسمى Nilis  فيها أسماك وتماسيح (18)، وفي هذا إشارة إلى أن هناك علاقة بين  النيل و " نول" . وفي الاتجاه نفسه وتأكيدا للفكرة السابقة ، أورد Paul Orose  نفس الملاحظة التي جاء بها سترابون ، وأضاف أن نهرا في جنوب المغرب يأخذ إسم درعة (درة) عند بعض البربر ، ويأخذ عند البعض الآخر إسم Nuhul(19).

وقد اعتبر مفهوم Nimفي الثقافات القديمة رمزا للماء أصلا والذي يعتبر النيل أحد تمظهراته(20). كما ترمز  ( نيم   ) إلى آلهة الحكمة والطب في بلاد الرافدين والتي توجد على هيئة نصف رجل ونصف سمكة(21). ونجد الإسم وارد كذلك في التراث الديني وتجدر الإشارة إلى أن روايات متواترة تفيد بأن نون هو نفسه الحوت الذي ابتلع نبي الله يونس كما ورد في الإنجيل ومن بعده القرآن (22). وتعتقد الرواية بأن الحوت رمى بيونس في منطقة وادي نون التي كانت عبارة عن بحيرة كبيرة. من خلال جردنا لهذه المعطيات نتوصل إلى حقيقة تاريخية ثابتة مفادها أن مفهوم  " نول " أو " نون " كان له ارتباط وثيق بالماء والثروة المائية في كل الحضارات القديمة.                                                          

مع بداية العصور الوسطى ومع الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا عموما والمغرب الأقصى خصوصا، بدأت تتراكم الكتابات المشرقية وحتى المغربية في تخصصات مختلفة كالتاريخ والجغرافيا التي تعنون ب " المسالك والممالك ". ومن هذا المنطلق كان مشروعا أن نبحث في القواميس العربية وعلى رأسها قاموس إبن منظور الذي أشار إلى أن " نول تعني الوادي السائل " (23). وأصبحت الكلمة بعد ذلك مركبة من إسمين هما "نول لمطة " ، وقد نصادف في بعض المصادر ان التسمية يمكن اختزالها في " نول " أو " لمطة " ، وقد ظهر ذلك عند ياقوت الحموي الذي أظهر أنها " تقال للأرض والقبيلة معا "(24). وذهب الحميري في نفس الاتجاه حينما أشار إلى أنها " سميت لمطة لأن قبيل لمطة يسكنوها"( 25). ويذهب صاحب الاستبصار في  الاتجاه نفسه مشيرا إلى أن " نول كان مجال استيطان لمطة لهذا أطلقوا إسمهم على على المكان الموجودين فيه "(26). وقد حدد البكري مجال نول عند بداية الصحراء فاصلا بينه وبين سوس (27). أما ابن خلدون فيشير إلى أن وادي درعة تضيع مياهه في الصحراء بين سجلماسة وسوس ليصب في المحيط بين نون وودان وتحيط بجنباته أشجارالنخيل المثمرة الكثيرة(28).

خلفت الرواية الشفوية بدورها تراكما حول إيتيمولوجية الإسم حيث أفادت بأن المنطقة كانت عبارة عن بحيرة كبيرة يملؤها حوت يحمل إسم " النون " فأطلق هذا الإسم على المنطقة. وأضافت الرواية الشفوية أن واد أساكا الذي يمر شمال منطقة وادي نون ويحدها مع منطقة أيت باعمران جاء نتيجة انفجار هذه البحيرة فانشق الوادي.

وبارتباط مع مضامين الرواية الشفوية ، فقد عرفت المنطقة  منذ نهاية الفترة الحديثة من تاريخها بل وقبل ذلك مجموعة من الحوادث التي أصبح تاريخ المنطقة يؤرخ لها وهي الظاهرة التي ترتبت عنها التسمية التي تحدثنا عنها أعلاه ( الحفرة) ويتعلق الأمر بمفهوم  " بومعروق" الذي غمر حواضر وادي نون التاريخية وعلى رأسها نول لمطة وتكاوست وهي المحصلة التي وصلت إليها الأبحاث الأركيولوجية خاصة في مدينة تكاوست التاريخية ، حيث وقفنا بمعية الفريق المغربي الإسباني الذي تكلف بمهمة التنقيب والبحث الأركيولوجي في منطقة تكاوست التاريخية ، فتبين أن كل بقايا المباني والمنشئات التاريخية مطمورة ومغمورة تحت أكوام التراب ( النباك)، وهي إشارة واضحة إلى أن المنطقة غمرتها فيضانات مهولة، ممايدل على أن تاريخ المنطقة شاهد على الأمطار الطوفانية التي تغمر المنطقة من حين لآخر. وكان لانهيار مدينة تكاوست التاريخية الناتج عن الفيضانات المهولة التي عرفتها المنطقة في مرحلة معينة من التاريخ الحديث دور كبير في الاعتبار والاستفادة من طرف المدبرين الجدد لمجال وادي نون في الفترة المعاصرة ويتعلق الأمر بحكام مدينة كَليميم التي بدات تتربع على تاريخ المنطقة، فكانت النواة الأولى التي أسسها أهل بيروك حكام وادي نون الجدد هو كَصر أكَويدير(29). وكان لاختيار موقعه الجغرافي أكثر من دلالة وعلى رأسها الاحتماء من مياه الفيضانات التي تغمر منطقة وادي نون بين الفينة والأخرى بناء على تراكم أحداث  التاريخ المتوسط والطويل للمنطقة. 

3 – نماذج من الاستراتيجيات الوقائية لمواجهة المتغيرات المناخية :

تعامل الوعي الجمعي القبلي في الصحراء مع المتغيرات المناخية بطرائق مختلفة ومتنوعة أكتسبت بالإرتباط الوثيق بالمجال ومتغيراته، فأصبح البدو يراكمون مجموعة من القواميس المرتبطة بالمتغيرات المناخية من تساقطات وحرارة ورياح باختلاف اتجاهاتها ، جعلتهم يتنبؤون بهذه المتغيرات قبل حدوثها ، وهي المهمة نفسها التي تقوم بها مصالح الأرصاد الجوية في كل مكان من العالم في استعانة تامة بالتكنلوجيات الحديثة المتطورة. وسنورد نماذج من هذه الاستراتيجيات التي تبين إلى أي درجة كان بدو الصحراء يمتلكون ملكات استشرافية للمتغيرات التي ستقع في المستقبل القريب ، وجعلها قاعدة للمتغيرات على المستويين المتوسط والبعيد.

فعلى مستوى الهندسة المعمارية الخاصة بالترحال ويتعلق الأمر بالفركَان، زودتنا مضامين الرواية الشفوية التي أخذناها من أفواه الشيوخ والعجائز ، وأغلبهم فارقنا وفارق الحياة رحمهم الله، أن البدو عند نزولهم في مجال معين كانوا يستحضرون جانبا من المتغيرات المناخية ويتعلق الأمر بالرياح، ذلك أن الخيام تبنى في اتجاه معلوم وليس اعتباطي. فواجهة الخيام تكون " مكَافية" أي في اتجاه الشمال لأن الرياح " التلية " الآتية من الشمال تكون هادئة، ولا يمكن للخيام أن تكون مواجهة للرياح الأخرى سواء منها  " الشركَية" الآتية من الشرق أو " الساحلية " الآتية من الغرب أو " الكَبلية" الآتية من الجنوب تفاديا للآثار الجانبية التي تخلفها على مساكن البدو. وقد توصل البدو في إطار استراتيجياتهم إلى التنبؤ بنوع المناخ الذي سيسود من خلال الرياح التي تهب على المجال الذي يتواجدون به، فالشركَية هي إيذان بارتفاع درجات الحرارة، والكبلية أو الساحلية هي إيذان بهطول الأمطار، مما يستدعي منهم استنهاض الهمم لحماية الخيام من آثار التساقطات ممثلة في السيول. من هنا جاءت المقولة التي أشرنا إليها سابقا  " وني سابكَ ما جاك  السيل" والتي تبين كيف أن البدو يتأهبون لمواجهة الامطار يإنشاء حواجز من التراب والحجر في الأماكن المواجهة للسيول لحماية الخيام بل حتى في الحواشي الداخلية للخيام.

وبارتباط مع فراسة بدو واحات وادي نون ،بل وحتى واحات باني، فقد تفننوا في إنشاء مجموعة من الخطارات (الخطاطير) وهي مجاري مائية تحت أرضية غير مكشوفة إلا عبر ثقوب تنبع من العيون السالفة الذكر، تفصل بينها مسافات محدودة . ويعود مرد هذه الاستراتيجية إلى تفادي مشكل تبخر المياه بفعل ارتفاع نسبة الإشعاع الشمسي وارتفاع درجات الحرارة  في المنطقة.

يتجسد المعطى الثاني الذي ساعد البدو على اكتساب مهارات اليقظة و التنبؤ بالمتغيرات المناخية، هو ارتباطهم الوثيق بالحيوانات الأليفة التي يعيشون معها التي تكسبهم مهارات متنوعة كل حسب فيزيونوميته ، ووظائفه المعروف بها. وسنورد نماذج من هذه المهارات التي يكتسبها البدو.

تعلمنا من الرعيل الأول من البدو أن الرجال وليس النساء مفروض عليهم أن يكتسبوا سلوكات القطط في النوم من خلال المقولة السائدة  " الراجل مفروض عليه يركَد ركَاد المش " أي أن الرجال الذين يتحملون مسؤولية حماية الفريك أو المساكن من أية مخاطر محتملة يجب عليهم أن يناموا نوم القطط ، ونحن نعلم ما يميز القطط خاصة عندما تكون نائمة فهي لاتنام نوما عميقا بل متقطعا، وكلما سمعت حركة أو صوتا ولو خافتا تستيقظ بسرعة.

وتساهم القطط إلى جانب أنواع أخرى من الحيوانات في التنبؤ بالمتغيرات المناخية كالإبل والأغنام والكلاب والفئران وغيرها كل حسب تكوينه الفيزيولوجي. ونورد نماذج من تصرفات هذه الكائنات مع المتغيرات المناخية وخاصة الأمطار.

شكلت الإبل واحدة من أهم الدعامات الرئيسية للبدو في حياتهم اليومية سواء تعلق الأمر بمعاشهم المبني على نظام غذائي يعتمد على مستخلصاتها من حليب ولحوم، أو النشاط التجاري التي شكلت دعامته الأساسية من خلال حمولات السلع والبضائع والأشخاص.إضافة إلى هذه القيمة المادية للإبل، فإن لها قيم رمزية كبيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يتعلق بالمتغيرات المناخية ، ذلك أن معاشرة البدو اليومية للإبل جعلتهم يقفون على جملة من الحركات التي تقوم بها كلما أحست بأن هناك متغيرات مناخية ستحدث من  جو حار ورياح جافة، أو جو رطب ورياح مطيرة ستعم المنطقة في المستقبل القريب. مما يحتم على البدو القيام بمجموعة من العمليات الوقائية التي تهمهم أو تهم مساكنهم سواء المترحلة ( الخيام) أو المساكن الثابتة في قصور الواحات ( لكَصور)، أو تلك التي تهم ماشيتهم باختلاف أنواعها. ولا يقتصر الأمر على الإبل لوحدها، بل هناك مجموعة من الحيوانات التي تتوفر على أجهزة الاستشعار عن بعد تمكنها من التنبأ بالمتغيرات المناخية وخصوصا تلك المتعلقة بالتساقطات وتوابعها من سيول ومجاري مائية في الوديان والمناطق المنخفضة التي تستقبل هذه السيول كمنطقة وادي نون أو منطقة درعة السفلى أي من منطقة باني في إتجاه المحيط الأطلنتي، وإليكم نماذج من الظواهر التي تكرس فراسة البدو في استشراف هذه المتغيرات. ففي احدى الفترات كان قد حط مجمع للخيام (فريكَـ) رحاله في أحد أطراف واد درعة السفلى ، وبعد أيام من ذلك ظهرت حركة غريبة استرعت انتباه أحد شيوخ الفريكَـ تمثلت في حالة استنفار قصوى لدى الفئران التي كانت تحمل أبناءها من سافلة الوادي والهروب بها إلى أعالي الوادي، ففطن الشيخ إلى أن مناطق واد درعة العليا قد عرفت تساقطات كبيرة ادت إلى فيضان وادي درعة مما سيترتب عنه وصول الفيض إلى سافلة الوادي في غضون يومين أو ثلاثة، فأعلن حالة استنفار قصوى في أفراد القبيلة الذين يوجد تجمع خيامهم في الوادي. وكما جرت العادة فإن الأسر المكونة للفريكَـ نزحت من سافلة الوادي إلى عاليته رفقة الماشية والحيوانات الأخرى، باستثناء حالات معينة بقيت في سافلة الوادي، وبعد انقضاء المدة الزمنية المحددة أعلاه الكفيلة بوصول المياه إلى المنطقة غمرت المياه سافلة وادي درعة مما خلف خسائرة فادحة لدى الأسر التي تخلفت عن الركب.

أما الحالة الثانية فكان واد الساكَية مسرحا لها، ذلك أن فريكَـ  من الخيام نزل بالواد وكان قطيع الماشية المكون من الماعز يرتع في مواطن الوادي. وفي إحدى الأيام ظهرت حركة غير عادية في قطعان الماعز الذين انزاحوا عن الوادي بشكل مثيرن وهو الأمر الذي جعل أحد شيوخ لفريكَـ يسارع إلى إنذار أهل لفريكَـ بالإنزياح عن سافلة الوادي واللجوء إلى عالية الوادي للإحتماء من المياه، وبعد يومين أوثلاثة جاء واد الساكَية محملا بالمياه.

النموذج الثالث دارت أطوار روايته في واد أم العشار وبالضبط في الجانب المحادي منه للسكان في ضفتيه  الشرقية  والغربية . كان الواد وبشهادة بعض سكان الحي يغص بالقطط والكلاب صباح مساء ، ولكن قبل فيضانات الواد وقعت حالة استنفار قصوى في أوساط هذه القطط والكلاب فانزاحت عن الواد ولم يظهر لها أثر، وبعد يومين من ذلك جاءت الفيضانات التي أحدثت خسائر كبيرة في الأحياء المجاورة.

من خلال هذه العينات من حالات الاستنفار التي تسجل في أوساط الحيوانات إبان بعض الكوارث والتغيرات الطبيعية الطارئة، استطاع البدو وبحكم معاشرتهم اليومية لهذه الحيوانات أن يكتسبوا عبر مرور الزمن آليات التنبؤ بالمتغيرات التي يمكن أن تحدث، فكان البدو سواء منهم الرحل أو المستقرون يقومون بإجراءات وقائية، حيث أن المستقرين في الكَصور (القصور) مع نهاية فصل الصيف وبداية فصل الخريف يقومون بمجموعة من العمليات الوقائية التي تهم منازل السكن وخاصة الواجهات الخارجية من الأسطح وجدران المنازل وذلك بإعادة تبليطهم بخليط التراب المدكوك مع التبن ومواد أخرى حتى تضمن الجدران والأسطح صلابتها أمام أية تساقطات فجائية وتسطير مخارج خاصة بمجاري المياه من أسطح المنازل إلى الخارج. أما البدو الرحل فقد تفتقت فراستهم بفعل ارتباطهم بالمجال ومكوناته الأخرى خاصة الحيوانات لتنتج مقولات انخرطت في لائحة الأفكار التي ضمنت ديمومة في أوساط الوعي الجمعي مع توالي الفترات التاريخية، ومن أهم هذه المقولات تلك الخاصة بالأمطار والتساقطات وما تخلفه من سيول جارفة، ويتلخص مبنى المقولة في  "  وني سابكَـ ما جاك السيل "، ويتعلق الأمر بعمل إجرائي يقوم به البدو الرحل ويهم مضارب الخيام بحيث يقومون بإحاطة كل خيمة بحاجز من التراب والحجارة، ويسمى هذا الحاجز " آوني" من الحجم الكبير حتى يحمي الخيمة من السيول الجارفة، كما يقوم البدو ببناء آوني آخر من الحجم الصغير في الحواشي الداخلية للخيمة وقد كان حضور المرأة قويا في هذه الإستراتيجية الوقائية إلى جانب الرجل من خلال اكتسابها تقنيات وضع آوني . وقد كان لهذه المقولة حمولة كبيرة لم تقف عند الاستعداد وأخذ الحيطة والحذر لمواجهة الأمطار والتساقطات، بل وظفت ، خاصة من طرف المرأة، في إطار تنشئة الأجيال وتربيتهم على توخي الحيطة والحذر واكتساب الأدوات الخاصة بمواجهة وضعيات طارئة.

 

عمر ناجيه

 


1-عبد الرحمان بن خلدون ، المقدمة ، الطبعة الحادية عشرة، دار القلم ، بيروت، 1992 ، ص 87 .

2- نفسه .

3- نفسه

4- عبد الهادي عبد الرحمان، التاريخ والأسطورة، الحراك الثقافي في المنطقة العربية قديما نقد وبناءات تصورية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، شتنبر 1994 ، ص 40 .

5-  نفسه.

6-  إبراهيم الكوني ، فتنة الزؤان ،

Robert clark, Naisssance de l’homme, édition du seuil, 1980,p23 -7 

 7" – أمحمد بن أحمد يوره الديماني، إخبار الأحبار بأخبار الآبار، ترجمة بول مارتي، تحقيق أحمد ولد الحسن ، منشورات معهد الدراسات الإفريقية جامعة محمد الخامس ، الرباط، سلسلة نصوص(2)، 1992.

 8- المقولة مأخوذة من مضامين الرواية الشفوية من السيدة الفاضلة الزهرة منت السالك ولد علي وحماد من أهل أرجدال، أيت أعمر، أيت بمكوت، أيت لحسن.

9- ابن خلدون ، م س ، ص 90 .

10- نفسه، ص 90 .

11-  المعلومات الواردة مستخلصة من مضامين الرواية الشفوية .

EUGENE FREEMAN , The Wisdom and Ideas of PLATO , Fawcett world library, New York, November 1959,p xi. -12

13 – يتعلق الأمر بالأبحاث الأركيولوجية التي شهدتها مداشر وادي نون منذ بداية التسعينات من القرن الماضي بداية بمدينة نول لمطة وانتهاء بمدينة تكاوست التي لازالت الأبحاث جارية بها كثمرة للتعاون المغربي الإسباني الذي ترعاه السلطات العليا بالبلدين.

14 – التقرير الأولي عن المرحلة الأولى من الأبحاث الأركيولوجية الذي توجد منه نسخة بحوزتنا سواء منها الأصلية باللغة الإسبانية أو النسخة المترجمة إلى اللغة الفرنسية.

15 – مصدر الرواية  محمد ولد النداي من أهل البن ومحمد ولد بكار ولد علي سالم

16 – أمدنا بالمعلومات الخاصة بالوديان التي تجوب وادي نون بوجمعة ولد الخليل ولد محيمد لارتباطه الوثيق بهذا المجال منذ نعومة أظافره، وقد جاب المجال بمعية الماشية التي كانت في ملك عائلته.

17 – عمر ناجيه، البنيات الاجتماعية والاقتصادية لقبائل وادي نون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، رسالة لنيل درجة دبلوم الدراسات العليا، شعبة التاريخ، كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط ، 1999 ، ص 26 .

18 – نفسه .

19 – نفسه .

20 – نفسه .

21 – نفسه .

22 – نزل في الآية:" فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين" الآيات 47 و48 و 49 من سورة القلم.

23 – إبن منظور ، لسان العرب ، المجلد 11، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، مادة نول، ص 684 .

24 – ياقوت الحموي، معجم البلدان، مجلد 5، دار بيروت ، 1987، ص 23 .

25 – الحميري، الروض المعطار، تحقيق إحسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة،طبعة 2 ، بيروت ، 1980 ، ص 584 .

26 – مجهول ، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958، ص 213 .

Naimi Mustapha, Nul Lamta ,tableaus édifiants ,Hesperis Tamuda, Vol XXXIII, 1995 , p 91 -27

Ibid, p 91 -28